Connect with us

أخبار

محمود سامي البارودي

Published

on

 

محمود ساميالبارودي(1839–1904) واحدًا من أبرز أعلام النهضة الأدبية في العصر الحديث، ورائد مدرسة البعث والإحياء في الشعر العربي، إذ مثّل حلقة وصل بين الشعر العربي القديم والشعر الحديث، واستطاع أن يعيد للقصيدة العربية رونقها وقوتها بعد فترة من الضعف والجمود، فقد اتجه إلى إحياء أساليب الشعراء القدامى، ولا سيما شعراء العصر العباسي، مع المحافظة على روح العصر وقضاياه، فجمع بين جزالة اللغة العربية القديمة والتعبير عن هموم الإنسان والمجتمع الحديث، ولم يكن شاعرًا فقط فقد كان رجل دولة وعسكريًا وسياسيًا بارزًا، شارك في الحياة العامة، وكان من قادة الثورة العرابية سنة 1881، وتولى منصبي وزير الحربية ورئاسة مجلس الوزراء في مرحلة سياسية دقيقة من تاريخ مصر(1).

وُلد محمود سامي بن حسن حسين بن عبد الله البارودي في مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة عام 1839، ونشأ في أسرة ذات مكانة اجتماعية مرموقة وأصول شركسية، عُرفت بالثراء والنفوذ، وكان والده ضابطًا كبيرًا في الجيش المصري برتبة لواء، وقد تولى عددًا من المناصب الإدارية في السودان، غير أنه توفي والبارودي لا يزال صغيرًا، الأمر الذي ترك أثرًا في حياته المبكرة ودفعه إلى الاعتماد على نفسه في بناء مستقبله، كما تلقى تعليمه الأول في القاهرة، فحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ اللغة العربية من نحو وصرف، ودرس شيئًا من الفقه والتاريخ والحساب، مما أسهم في تكوين شخصيته العلمية والثقافية(2) وبعد إتمام دراسته الأولية، التحق بالمدرسة الحربية سنة 1852، وكان عمره آنذاك اثني عشر عامًا، حيث تلقى العلوم العسكرية، وتخرج سنة 1855، لينضم إلى الجيش المصري. وخلال هذه المرحلة بدأ اهتمامه بالشعر العربي يزداد، فاطلع على دواوين كبار الشعراء، وحفظ نماذج من أشعار الفحول، مما كوّن لديه ذائقة شعرية رفيعة، وأعدّه لاحقًا للقيام بدوره في إحياء الشعر العربي وتجديده(2) وفي سنة 1857 سافر إلى الآستانة، عاصمة الدولة العثمانية آنذاك، وهناك أتاح له وجوده في بيئة ثقافية متنوعة فرصة الاطلاع على الأدبين التركي والفارسي، فأتقن اللغتين، وقرأ آدابهما، وحفظ جانبًا من أشعارهما، وقد ساعده هذا التكوين اللغوي والثقافي على توسيع أفقه الأدبي، وإغناء تجربته الشعرية، كما مكّنه من الالتحاق ببعض الأعمال المرتبطة بالإدارة الخارجية العثمانية(3).

عاد البارودي إلى مصر سنة 1863، فتنقل بين عدد من المناصب العسكرية والإدارية، ثم عاد إلى المجال العسكري الذي كان يميل إليه، حيث تولى قيادة وحدات من الجيش المصري، وقد جمع خلال مسيرته بين الخبرة العسكرية والثقافة الأدبية، وهو أمر نادر جعله شخصية ذات حضور مؤثر في الحياة المصرية خلال القرن التاسع عشر. وفي عام 1882 تولى رئاسة مجلس الوزراء، بعد أن سبق له تولي وزارة الحربية، وذلك في فترة اتسمت بتوتر سياسي كبير بسبب تصاعد المطالب بالإصلاح ومواجهة التدخل الأجنبي(3) كان من أبرز الشخصيات المشاركة في الثورة العرابية، التي قامت للمطالبة بالإصلاح السياسي والعدالة داخل الجيش والدولة، وبعد فشل الثورة ووقوع الاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882، أصدرت السلطات قرارًا بنفيه مع عدد من قادة الثورة إلى جزيرة سرنديب (سريلانكا). وقد شكلت سنوات المنفى مرحلة حاسمة في حياته، إذ عاش أكثر من سبعة عشر عامًا بعيدًا عن وطنه، يعاني الغربة والمرض وفقدان الأحبة، وانعكست هذه التجربة بعمق في شعره، فظهرت فيه مشاعر الحنين والألم والتأمل في الحياة والإنسان والمصير(4) ولم يكن المنفى بالنسبة إلى البارودي فترة انقطاع عن النشاط الثقافي، فإنه واصل خلالها إنتاجه الشعري، كما تعلم اللغة الإنجليزية، واهتم بتعليم اللغة العربية ونشر الثقافة الإسلامية بين أهل الجزيرة، وقد أصبحت قصائده في تلك المرحلة من أجمل ما كتب، لما اتسمت به من صدق العاطفة وقوة التعبير وعمق التجربة الإنسانية، حيث عبّر فيها عن الشوق إلى الوطن، واسترجاع ذكريات الشباب، ورثاء الأهل والأصدقاء، والتأمل في تقلّبات الحياة(4).

عاد البارودي إلى مصر سنة 1899 بعد أن اشتد عليه المرض وضعف بصره، وكانت عودته إلى الوطن لحظة مؤثرة عبّر عنها في شعره، إذ استقبل مصر بمشاعر الفرح والحنين، وبعد عودته ابتعد عن العمل السياسي، وفتح منزله في القاهرة للأدباء والشعراء، فأصبح مجلسه ملتقى ثقافيًا جمع عددًا من رواد الشعر الحديث، ومن بينهم أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وخليل مطران، وإسماعيل صبري، مما جعلهم يتأثرون بتجربته، وساروا في طريقه، مما ساعد على ترسيخ مدرسة الإحياء والنهضة في الشعر العربي الحديث(5).

ترك البارودي إنتاجًا أدبيًا غنيًا، من أبرز آثاره ديوان البارودي الذي جمع قصائده المختلفة، وكتاب مختارات البارودي الذي ضم نماذج من الشعر العربي القديم، وكتاب قيد الأوابد في مختارات النثر. كما نظم قصيدته الطويلة كشف الغمة في مدح سيد الأمة، وهي قصيدة في مدح الرسول ﷺ جاءت على نهج قصيدة البوصيري في البردة من حيث الوزن والقافية، مما يدل على صلته القوية بالتراث الشعري العربي(6).

وقد ارتبط مشروعه الشعري بفكرة أساسية تتمثل في أن نهضة الأمة تبدأ من نهضة لغتها وثقافتها، فاللغة وعاء للهوية والوعي، وفي هذا السياق تحضر مقولة الأديبة والناقدة السورية سهام محمد جبريل: «الإنسان يبدأ بأن يكون، حين يبدأ بأن يفكر، ولا يفكر إلا بلغته الأم»(7)، وهي مقولة تؤكد أهمية اللغة في تشكيل شخصية الإنسان ووعيه، وهو ما جسده البارودي من خلال دفاعه عن جمال العربية وإعادة الاعتبار إلى الشعر العربي، وقد توفي في القاهرة يوم 12 ديسمبر 1904، بعد حياة حافلة بالشعر والسياسة والنضال، لكنه ترك أثرًا خالدًا في الأدب العربي، وظل اسمه مرتبطًا ببداية النهضة الشعرية الحديثة، وبكونه الشاعر الذي أعاد للقصيدة العربية قوتها وفتح الطريق أمام الأجيال اللاحقة من الشعراء(6)

 

 

الهوامش

(1) الجزيرة، «محمود سامي البارودي.. رائد مدرسة البعث والإحياء»، موقع الجزيرة، 12 ديسمبر 2004.

(2) المرجع نفسه.

Advertisement
Ad Banner

(3) المرجع نفسه.

(4) المرجع نفسه.

(5) المرجع نفسه.

(6) المرجع نفسه.

(7) سهام محمد جبريل، كاتبة وناقدة سورية مهتمة بالأدب العربي، درست الأدب العربي في جامعة دمشق، ونشرت مقالات وقراءات نقدية تناولت الرواية العربية وقضايا الثقافة والأدب، كما شاركت في عدد من الفعاليات والحوارات الأدبية.

حميد بركي

Continue Reading
Advertisement Ad Banner
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *