Connect with us

أخبار

قراءة في قصيدة للشاعر العراقي: “سمير البياتي” أو حين يبوح الصمت بسر الكلام

Published

on

 

الوطنية بريس

بقلم: حميد بركي

 

رجل ملأت قلبه الحكايات

وعندما أراد أن يتكلم

أصابته جلطة في الصوت

ومنذ ذلك الحين،

صارت شفتاه

ترتشفان الرجفة لغة في الهواء

وعيناه تتسعان وتصغران

يبكي ويضحك دون سبب …

Advertisement
Ad Banner

تزداد رجفة الشفتين

يحاول أن يحفظ تفاصيل الحكاية…

هل كنا نصغي لتمتمات مبهمة؟

شَعُرَ ببياض أعيننا

صمتت كل ارتعاشاته…

وهو ينظر بعينيه إلى السماء

وترك دموعه تسرد

باقي القصص

النص يقوم على صورة إنسان مثقل بالحكايات، ممتلئ بالمشاعر والذكريات والتجارب، لكنه حين أراد أن يبوح بها خانته اللغة والجسد معًا. فـ«الجلطة في الصوت» رمز لانهيار القدرة على التعبير، وكأن الحياة حين تتراكم داخل الإنسان إلى حدٍّ معين تصبح أكبر من الكلمات نفسها، حيث يتحول الصوت إلى صمت مرتجف، وتصبح الشفتان عاجزتين إلا عن الارتعاش، بينما تتولى العينان ما عجز عنه الكلام، إنه يرسم مشهدًا إنسانيًا مؤلمًا للغاية؛ رجل يريد أن يقول الكثير، لكنه محاصر داخل جسده، لذلك نلاحظ كيف تتحول الحواس كلها إلى لغة بديلة: الشفتان ترتجفان، العينان تتسعان وتصغران، الدموع تتكلم بدل الحروف، وكأن النص يريد أن يقول إن الإنسان حين يعجز عن الكلام الحقيقي، فإن جسده كله يبدأ بالحديث، وهنا نستحضر قول لودفيغ فيتغنشتاين: «ما لا نستطيع قوله بالكلمات، يظهر نفسه» فالقصيدة لا تبحث عن البلاغة بقدر ما تكشف حدود اللغة أمام عمق الألم الإنساني.

في المقطع أيضًا نقد خفي للآخرين ولطريقة تلقينا لآلام الناس، حين يقول: «هل كنا نصغي لتمتمات مبهمة؟» يظهر شعور الجماعة بالعجز عن الفهم أو ربما بعدم الصبر على الإصغاء، الرجل كان يحاول أن ينقذ حكايته الأخيرة، أن يحفظ تفاصيلها من الضياع، لكن المحيطين به لم يستطيعوا فكّ شيفرة الألم. تتجلى المأساة الأكبر: عجز الآخرين عن الإنصات، ويمكن استحضار رؤية إيمانويل ليفيناس الذي رأى أن الإصغاء للآخر هو فعل أخلاقي قبل أن يكون فعل فهم، وأن الإنسان يسقط أخلاقيًا حين يعجز عن استقبال ألم الآخر.

الصورة الشعرية في النهاية شديدة التأثير؛ فالرجل يصمت تمامًا، يرفع عينيه إلى السماء، وكأنها الجهة الوحيدة القادرة على فهم ما لم يُقل، ثم تترك الدموع مهمة السرد. هذه النهاية تمنح الدموع وظيفة لغوية، فتصبح أصدق من الكلمات نفسها، وكأن الحقيقة تُبكى، وهو معنى يقترب من تأملات آرثر شوبنهاور الذي كان يرى أن المعاناة الحقيقية تتجاوز اللغة، وأن الألم العميق يجعل الإنسان أكثر صمتًا وأقرب إلى التأمل الداخلي.

النص يعتمد على لغة بسيطة ظاهريًا، لكنها مشحونة بالرمز والانفعال، فقد تجاوز زخارف لغوية ثقيلة، وهي صور إنسانية مباشرة تمنح القصيدة صدقها، كما أن التدرج من الحكاية إلى التمتمة ثم إلى الصمت الكامل يخلق تصاعدًا دراميًا مؤلمًا، يجعل القارئ يشعر بأن اللغة نفسها تنهار أمام ثقل المعاناة. ويمكن أن نستحضر هنا قول مارتن هايدغر إن «اللغة بيت الكينونة»، لكن الشاعر يكشف في هذا النص لحظة انهيار ذلك البيت، حين يصبح الوجع أوسع من اللغة نفسها،

Advertisement
Ad Banner

القصيدة في جوهرها تتحدث عن الإنسان حين يصبح داخله أكبر من قدرته على التعبير، وعن الألم الذي لا يجد من يفهمه، وعن الدموع بوصفها اللغة الأخيرة حين تفشل كل اللغات الأخرى، وهي بذلك لا تقدم حالة فردية، قبل أن تكشف هشاشة الإنسان المعاصر وعزلته الداخلية، تلك العزلة التي تحدث عنها جان بول سارتر حين رأى أن الإنسان يعيش غالبًا محاصرًا داخل ذاته، عاجزًا عن نقل تجربته كاملة إلى الآخرين

 

حميد بركي

Continue Reading
Advertisement Ad Banner
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *