Connect with us

أخبار

المغاربة السحارة… المغاربة ضحية الشفارة

Published

on

 

بقلم: الدكتور سدي علي ماء العينين،

موضوع هذا المقال مختلف ومشوق، لكننا مع الأسف لا نتوفر فيه على دراسات وإحصائيات متنوعة، باستثناء دراسة أمريكية يتيمة. إنه السحر والسحر في المغرب، أو لنقل الشعوذة والمشعوذين.

يُجمع عدد كبير من علماء الاجتماع في المغرب على أن موضوع الشعوذة يصعب وضع حد له بشكل سريع؛ فالأمر يتعلق بظاهرة ضاربة في عمق التاريخ المغربي وبمعطى بنيوي للمجتمع. إن كنت تبحث عن دواء لـ “درء النحس”، أو تريد السيطرة على الحبيب، أو النجاح في وظيفة، أو إنجاب طفل، أو علاج مرض، فما عليك سوى التوجه إلى “الشوافة” أو “الفقيه” (قرّاء الطالع أو مَن يدعون معرفة الغيب والمستقبل).

لقد حذّرنا الإسلام من الوقوع في شباك السحرة والمشعوذين، الذين تعد أعمالهم من الكبائر والجرائم العظيمة التي تعود على صاحبها بالوبال والهلاك، وتأتي بعد الشرك بالله مباشرة. والسحر من أخطر الأمراض التي تصيب الإنسان، وقد استطار شرر السحرة والكهنة والمشعوذين، وعظم أمرهم وكثر خطرهم، فآذوا المؤمنين وأدخلوا الرعب إلى بيوتهم وحرماتهم.

في مقال نشرته جريدة “هسبريس”، جاء فيه أن ثقافة الشعوذة غالباً ما تؤدي إلى خلق صورة نمطية (Stéréotype) سلبية عن المجتمع المغربي، وبالأخص مغاربة العالم؛ فعلى سبيل المثال، تُعرف المرأة المغربية في بعض دول الخليج بميلها إلى استخدام السحر والشعوذة. ويكفي فقط أن تقوم بجولة في محرك البحث “غوغل”، لتجد عدداً لا يحصى من التجارب الشخصية والمقالات التي تحذر من “القدرات الخارقة” للسحرة المغاربة.

كما تصور بعض الأقلام أو الرسوم الكاريكاتورية المغربي كعراف أو ساحر. وكلنا يتذكر رد الفعل العنيف من لدن الحكومة المغربية وأطياف المجتمع المدني على إحدى القنوات التلفزيونية الكويتية، حين جسدت المرأة المغربية كساحرة في أحد برامجها؛ بل إن بعض السيدات هناك وقعن عريضة لمنع المغربيات من دخول البلاد، لأنهن يشكلن في نظرهن خطراً على زواجهن بحكم باعهن الطويل في ممارسة السحر والشعوذة! قد يبدو هذا الأمر مثيراً للسخرية، لكنه أسهم، في نهاية المطاف، في فرض قيود معينة في أوقات سابقة على دخول الفئات الشابة من النساء.

يقول أستاذ علم الاجتماع عبد الرحيم العطري، إن السحر يعود إلى بدء التاريخ، خاصة أن السحرة قدموا تفسيرات لبعض الأشياء التي كان يعجز عنها العامة. وأضاف في تصريحات صحفية، أنه لا يمكن الحديث عن دولة تميل إلى السحر دون الأخرى، وأن جميع الحضارات يحضر فيها السحر بشكل قوي.

في عام 2012، أصدر المركز الأمريكي “بيو” (Pew) للأبحاث تقريراً شاملاً تحدث فيه عن ظاهرة الشعوذة والسحر داخل المجتمعات الإسلامية ومنها المجتمع المغربي. ووفق الأرقام التي قدمها التقرير، الذي تناول مؤشرات التدين، فإن نحو 86% من المغاربة المستجوبين مقتنعون بوجود الجن، بينما 78% يؤمنون بالسحر، و80% متأكدون من حقيقة “شر العين”. في حين لا تتجاوز النسبة 7% ممن اعترفوا باستعمال تعويذات (تمائم) لدفع الشر وجلب الحظ، و16% يعتمدون وسائل أخرى لطرد شر العين ومفاعيل السحر. وتظهر المعطيات السوسيولوجية أن هذه التصورات الذهنية لم تعرف تغييراً جذرياً كبيراً في الثقافة الشعبية.

«إن من ينصت للمغاربة فلربما اعتقد أن المغرب مستودع عجائبي للكنوز»، هكذا وصف عالم الاجتماع «بول باسكول» أساطير المغرب التي تملكت عقول بعض فئاته، ونجح في الترويج لها سحرة ومشعوذون؛ وذلك عن كنوز مدفونة وجن يحرسها، و«فقهاء» يملكون من الطلاسم والتعاويذ ما يمكنهم من فتح أبواب المغارات وكشف المستور… فإمّا أن يقوم الجان بإخبار الفقيه بمكان الخبيئة، أو أن يكلف الفقيه الجان بالبحث عن أماكن الرصد ويجمع التفاصيل الكافية عن ذلك الكنز.

أما في واقعنا اليوم، فلم يعد إلصاق صفة السحر بالمغاربة مقتصرة على ما يشاع شعبياً، بل تعتمد العديد من القنوات الفضائية والصفحات الرقمية “غير المرخصة” على نوعية من الإعلانات الترويجية من أجل الانتشار وتحقيق الربح المالي، ومن هذه الإعلانات تلك المتعلقة بفك الأعمال وجلب الحبيب وغيرها من الأمور.

تبعاً لذلك، تُصنف بعض الأدبيات غير الرسمية المغرب كأحد أشهر البلدان التي يرتبط اسمها إعلامياً بهذه الظاهرة، لدرجة نشوء نوع من “السياحة العشوائية” القاصدة لهذه الأعمال. كما يُنظر إليه أحياناً كوجهة لمن يريد التخلص من آثار السحر، مع الإشارة تاريخياً وثقافياً إلى وجود ممارسات تنسب لسحرة من خلفيات دينية مختلفة عبر مناطق متعددة كالدار البيضاء وغيرها.

Advertisement
Ad Banner

ولا يزال من الشائع في المتخيل الروائي، منذ قصص “ألف ليلة وليلة” وترجماتها القديمة، إظهار شخصية “المغربي” كساحر قادر على خرق الطبيعة وتحقيق الخيال. وقد تكرست هذه التصورات المتخيلة التي يحملها بعض العرب عن بعضهم البعض عبر عقود، وتجد تعبيراً عنها في القنوات التلفزيونية أو في مواقع التواصل الاجتماعي، مما يخلق أحياناً مشكلات عويصة في التواصل؛ علماً أن المغرب ظل حتى حدود مطالع القرن الماضي غير معروف بدقة في عمق المشرق العربي نظراً لخصوصيته التاريخية والجغرافية وانفصاله عن الهيمنة العثمانية.

على المستوى القانوني، ينص الفصل 609 من القانون الجنائي المغربي في فقرته 35 على أن: “من احترف التكهن والتنبؤ بالغيب أو تفسير الأحلام يعاقب بغرامة تتراوح بين 10 و120 درهماً”، ويعتبر هذا الفعل مخالفة من الدرجة الثالثة. كما ينص الفصل 726 من قانون الالتزامات والعقود على بطلان كل اتفاق يكون موضوعه تعليم أو أداء أعمال السحر والشعوذة أو القيام بأعمال مخالفة للقانون أو الأخلاق الحميدة أو النظام العام.

فهل الأمر يتعلق بمجرد شعوذة عابرة؟ أم أنه سلوك مجتمعي يخترق واقعنا ويعاني منه الأفراد تَبَعاً لأعمال السحر التي تنسج خيوطها في القبول والتفرقة؟

ما هو مؤكد، أن جمعيات مدنية بحي بنسركاو بأكادير قامت سابقاً بحملة نظافة بمقبرة الحي، ووجدت عدداً كبيراً من الصور والطلاسم التي استهدفت ضحايا هذه الأعمال.

فهل الأمر شعوذة وجهل؟ أم هو واقع واعتبار لما تعترف به الديانات بأن السحر حقيقة وابتلاء؟

في الواقع، توجد محلات ومساكن تمارس فيها هذه الطقوس تحت مسميات شتى وتغض الطرف عنها جهات عدة، بل إن من السياسيين والمسؤولين من آمنوا بهؤلاء الدجالين وزاروهم وتعاملوا معهم.

وقد قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾، فهل تعتبرون؟

Continue Reading
Advertisement Ad Banner
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *