Connect with us

أخبار

نجاة الورغي رؤية فكرية وجمالية تسعى لتجاوز الحدود

Published

on

الوطنية بريس

حميد بركي

 

 

نجاة الورغي هي إحدى الأصوات الشعرية التونسية التي استطاعت أن تشقّ لنفسها مسارًا خاصًا، قائمًا على التعدد اللغوي والانفتاح الثقافي، وعلى رؤية شعرية تمزج بين التأمل الذاتي والانشغال بالإنسان في أبعاده الوجودية والكونية – وُلدت بمدينة تبرسق، تلك المدينة التي تختزن في عمقها رصيدًا حضاريًا وإنسانيًا انعكس، بشكل أو بآخر، على حسّها الإبداعي ونظرتها إلى العالم.

منذ انخراطها في اتحاد الكتاب التونسيين سنة 1990، بدأت ملامح تجربتها الأدبية تتبلور في سياق ثقافي نشيط، حيث لم تكتفِ بالكتابة، فقد انخرطت في الفعل الثقافي بمختلف تجلياته، مشاركةً في الندوات والملتقيات، ومسهمةً في تنشيط الحراك الأدبي داخل تونس وخارجها، وقد مثّلت تونس في عدد من التظاهرات الشعرية الدولية، في بلدان مثل المغرب وإسبانيا وبلجيكا وفرنسا، حيث حملت صوتها الشعري إلى فضاءات متعددة، مؤكدة قدرة القصيدة التونسية على الحوار مع الآخر.

تميّزت تجربتها بكتابة الشعر باللغتين العربية والفرنسية، وهو اختيار لم يكن مجرد تنوّع لغوي، كان امتدادًا لرؤية فكرية وجمالية تسعى إلى تجاوز الحدود، والانفتاح على آفاق أرحب، كما خاضت تجربة الكتابة باللغة الروسية، في دلالة على شغفها بالتجريب، وسعيها الدائم إلى استكشاف إمكانات التعبير الشعري في لغات مختلفة، بما يمنح نصوصها طابعًا إنسانيًا عابرًا للثقافات.

إلى جانب الكتابة، كان لها حضور فاعل في مجال الصحافة المكتوبة، حيث ساهمت بمقالات ونصوص تعكس انشغالاتها الثقافية، كما نشطت عبر الإذاعة الوطنية، في تجربة إعلامية دعّمت حضورها في المشهد العام، ولم يقتصر دورها على الإبداع الفردي، فقد ساهمت في تأطير الشعراء الشبان، حيث عملت على مرافقة التجارب الناشئة، وإتاحة فضاءات للتعبير والتكوين، خاصة من خلال نشاطها الدوري في نادي الطاهر الحداد، إضافة إلى مساهمتها في أنشطة اتحاد الكتاب التونسيين، وقد تُوّجت مسيرتها بعدد من الجوائز التي تعكس قيمة منجزها الأدبي، إذ تحصّلت على جائزة نادي الطاهر الحداد للشعر باللغة الفرنسية سنة 1990، ثم الجائزة نفسها عن الشعر العربي سنة 1992، في تأكيد على تمكنها من اللغتين وقدرتها على الإبداع بهما، كما نالت جائزة زبيدة بشير سنة 1996، وهي من الجوائز التي تحمل رمزية خاصة في تكريم الأصوات النسائية المبدعة في تونس، فضلًا عن حصولها على جائزة منتدى نساء المتوسط بمدينة مرسيليا سنة 2013، وهو تتويج يعكس حضورها في الفضاء الثقافي المتوسطي،

أما على مستوى التكريمات، فقد حظيت باعتراف من مؤسسات وطنية ودولية، حيث تم تكريمها من قبل اليونسكو سنة 1996، وتقلّدت في العام نفسه ميدالية القوات المسلحة التونسية، قبل أن تُمنح وسام الاستحقاق الثقافي التونسي برتبة فارس سنة 1998، وهو وسام يعكس تقدير الدولة لإسهاماتها في المجال الثقافي، كما تم تكريمها سنة 2022 ضمن تظاهرة “رائدات بلادي” في إطار الأيام الوطنية للمطالعة، اعترافًا بمسيرتها الطويلة وعطائها المتواصل.

في مجال النشر، أصدرت نجاة الورغي عددًا من الدواوين الشعرية باللغتين العربية والفرنسية، إلى جانب اشتغالها في مجال الترجمة، حيث نقلت نصوصًا بين اللغتين، في جهد يسهم في مدّ الجسور بين الثقافات، وقد أُدرج شعرها ضمن كتاب “ترانيم أشعار تونسية” الصادر سنة 1997، وهو عمل جماعي جمع نصوصًا لشعراء تونسيين مرفقة برسوم الفنان التشكيلي العراقي عامر رشاد، ما يعكس حضورها ضمن مشهد شعري متنوع،

ومن أبرز أعمالها الشعرية بالعربية “أنا لست شاعرة” و“مناجاة مع الكون والكائنات”، وهما عنوانان يكشفان منذ الوهلة الأولى عن نزعة تأملية، تميل إلى مساءلة الذات والعالم، واستكشاف العلاقة بين الإنسان والكون – أما في اللغة الفرنسية، فقد أصدرت “NUAGES” و“AMOURS PROCHES ET LOINTAINES”، حيث يتجلّى الحس الشعري ذاته، لكن بلغة أخرى تحمل ظلالًا مختلفة من التعبير والإيحاء.

لقد استطاعت نجاة الورغي، عبر مسيرتها، أن ترسّخ حضورها كشاعرة متعددة الأبعاد، تجمع بين الإبداع والتأطير والانفتاح الثقافي، وأن تجعل من الشعر فضاءً للتعبير الحرّ، وجسرًا للحوار بين اللغات والثقافات، وليس غريبًا، في هذا السياق، أن يُدرج اسمها ضمن موسوعة عالمية للمبدعات، في اعتراف بمكانتها وبإسهامها في إثراء المشهد الأدبي.

Advertisement
Ad Banner

إن تجربتها، مسار إنساني وجمالي، يقوم على الإيمان بقوة الكلمة، وبقدرتها على إضاءة العتمة، وفتح نوافذ الأمل، في عالم تتنازعه التحولات والتحديات.

Continue Reading
Advertisement Ad Banner
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *