Connect with us

أخبار

في اليوم العالمي للخيل.. حين يحتفي المغرب بذاكرةٍ تركض على صهوة المجد

Published

on

بقلم : سمية مسرور

في اليوم العالمي للخيل والذي يصادف يوم 11 يوليوز من كل سنة ، قد يكتفي كثيرون بنشر صور لخيول عربية أصيلة، أو بعبارات تمتدح جمالها وسرعتها. لكن في المغرب، يبدو الاحتفاء بالخيل أعمق من ذلك بكثير؛ لأنها ليست مجرد كائن جميل، بل أحد أكثر الرموز رسوخًا في الهوية الوطنية، وحاضرة في الذاكرة الجماعية للمغاربة منذ قرون، حتى أصبح من الصعب أن تروي تاريخ هذا البلد دون أن يمر صهيل الخيل بين سطوره.

فالخيل في المغرب ليست إرثًا معروضًا في المتاحف، ولا تقليدًا موسميًا يُستدعى في المناسبات، وإنما ثقافة متكاملة، ونمط عيش، ولغة رمزية تختزل الشجاعة، والوفاء، والأصالة، والعزة. ولهذا ظل المغربي ينظر إلى الفرس بعين التقدير، لا باعتبارها وسيلة، بل رفيقًا للإنسان في الحرب والسلم، وفي الأفراح والاحتفالات، وفي بناء الدولة وصناعة التاريخ.

ولعل أول ما يلفت الانتباه هو الحضور الملكي للخيل داخل الدولة المغربية. فمنذ قرون، ارتبطت المؤسسة الملكية بالفروسية، وأصبحت الخيل جزءًا من المشهد الرسمي في العديد من الأنشطة والاحتفالات ذات الرمزية الوطنية. ففي حفلات الولاء، والاستقبالات الكبرى، والمواسم التراثية، تشكل الخيول بفرسانها لوحة تعكس امتداد الدولة المغربية في التاريخ، وتؤكد أن الأصالة لا تزال تسير جنبًا إلى جنب مع الحداثة.

كما أن الرعاية الملكية التي تحظى بها رياضات الفروسية، والعناية المستمرة بالحصان البربري والحصان العربي البربري، ليست مجرد اهتمام برياضة نبيلة، بل هي رسالة واضحة مفادها أن الحفاظ على الخيل هو حفاظ على جزء من الشخصية المغربية نفسها.

وليس من قبيل الصدفة أن تتحول “التبوريدة” إلى واحدة من أبرز العلامات الثقافية للمغرب، حتى أصبحت صورة مألوفة في المهرجانات الوطنية والدولية، وواجهة حضارية تعكس عبقرية المغاربة في صون تراثهم. إنها ليست مجرد استعراض لفرسان يحملون البنادق التقليدية ويطلقون البارود في لحظة واحدة، بل هي عرض تختلط فيه الشجاعة بالانضباط، والجمال بالدقة، والتاريخ بالفن، حتى صار صوت البارود امتدادًا لصهيل الخيل، وصارت “السربة” مدرسة في الانسجام والعمل الجماعي.

لكن حضور الخيل في المغرب لا يتوقف عند الساحات الرسمية، بل يمتد إلى البيوت والقرى والبوادي، حيث تربط الناس بها علاقة وجدانية خاصة. فكم من أسرة كانت تعتبر الفرس فردًا من العائلة، وكم من فلاح اقتسم معها تعب الأرض، وكم من فارس ورثها عن أبيه كما يرث الأرض والاسم والشرف.

وفي الثقافة الشعبية المغربية، تكاد الخيل تكون حاضرة في كل شيء. في الأمثال، يقال: “اللّي ما عندو خيل، همّه طويل”، للدلالة على القوة والمنعة. ويُقال عن الرجل الكريم والشجاع إنه “ولد الخيل”، وكأن الخيل أصبحت معيارًا للأصالة والرجولة. حتى في وصف الجمال، كثيرًا ما تُستعار هيئة الفرس ورشاقتها للدلالة على الكمال والهيبة.

أما الشعر المغربي، فقد منح الخيل مكانة لا تقل عن مكانة الفرسان أنفسهم. ففي الملحون، والعيطة، والشعر الحساني، والشعر الأمازيغي، والفصيح، حضرت الخيل باعتبارها رمزًا للحرية والكبرياء والوفاء. ولم يكن الشاعر يصف الفرس بوصفها حيوانًا، بل كان يصف فيها الإنسان الذي يتمناه: قويًا، وفيًا، أبيًا، لا ينحني إلا لخالقه.

وفي الأغنية المغربية، يصعب إحصاء الأعمال التي تغنت بالخيل والفروسية. فمن الأغاني التراثية التي تتردد في المواسم والأعراس إلى الأغنية الشهيرة “ركوب الخيل” التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الفنية المغربية، ظل الحصان حاضرًا بوصفه رمزًا للفخر والبهجة والرجولة. وما زالت فرق العيطة وأهازيج الفروسية تردد أسماء الخيل، وتصف هيبتها، وتربطها بالحب والكرامة والانتماء، حتى صار وقع حوافرها جزءًا من الإيقاع الموسيقي الشعبي.

ولم يغب هذا الحضور عن السينما والرواية والفنون التشكيلية أيضًا، إذ كثيرًا ما اختار الفنانون الخيل رمزًا للحركة والانطلاق والقوة، فيما احتفظت اللوحات المغربية التقليدية بصورة الفارس على صهوة جواده باعتبارها واحدة من أكثر الصور تعبيرًا عن الشخصية المغربية.

ولعل ما يجعل علاقة المغربي بالخيل مختلفة عن غيرها، هو أنها لم تقم يومًا على المنفعة وحدها، بل على الوفاء المتبادل. فالخيل في الوجدان المغربي ليست وسيلة نقل انتهى دورها مع ظهور السيارات، وإنما رمز بقي حيًا رغم تغير الزمن. ولذلك لا يزال الأطفال يحلمون بركوبها، والشباب يتفاخرون بإتقان الفروسية، والكبار يروون حكايات الفرسان كما لو أنها حدثت بالأمس.

Advertisement
Ad Banner

 

وفي زمن أصبحت فيه التكنولوجيا تفرض إيقاعها على كل تفاصيل الحياة، ما يزال المغربي يلتفت إلى الفرس بإجلال، لأنه يدرك أن الأمم لا تُبنى بالمستقبل وحده، بل بقدرتها على صون ذاكرتها أيضًا. فالخيل ليست ذكرى من الماضي، بل جسر يربط الأجيال بتاريخها، ويذكرها بأن القوة لا تعني القسوة، وأن النبل لا يحتاج إلى ضجيج، وأن الوفاء قيمة لا تشيخ.

 

في اليوم العالمي للخيل، لا يحتفل المغرب بحيوان جميل فحسب، بل يحتفل بجزء من روحه. يحتفل بتاريخ فرسان صنعوا المجد، وبتراث ما زال يملأ الساحات في مواسم التبوريدة، ويصدح في الأغاني الشعبية، ويزهو في الاحتفالات الوطنية، ويعيش في وجدان الناس.

 

فحين يصهل الحصان في المغرب، لا يُسمع صوت حيوان… بل يُسمع صدى وطن، وتاريخ أمة، وهوية شعب عرف منذ القدم أن الخيل ليست مجرد رفيقة طريق، بل شريكٌ في صناعة الحضارة، ورمزٌ خالد للأصالة المغربية التي لا يطويها الزمن.

Continue Reading
Advertisement Ad Banner
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *