أخبار

«خديم الأعتاب الشريفة في مدينة المولى إسماعيل: عامل يقود قطار التنمية»

Published

on

حين تولّى الظهيرُ ما عجز عنه الصندوق

الوطنية بريس/ رشيد السالمي

 

في مدينةٍ حملت لقب السلطانية عن استحقاقٍ لا عن مجاملة، وشيّد فيها المولى إسماعيل أسوارًا حسبها الناس أبدية، وقفت التنمية سنواتٍ عند عتبة باب. لا لأن المدينة أعوزها المال، ولا لأن الدولة ضنّت عليها بالمشاريع، بل لأن من أُوكل إليهم أمرها انشغلوا بحساباتهم عنها. اختلفوا في القسمة قبل أن يبنوا، وتنازعوا على المواقع قبل أن ينجزوا، فبقي الشارع بلا كنس، والحديقة بلا سقي، والورش بلا انطلاق، والساكنة بلا جواب.

وفي مثل هذه اللحظات تُختبر الدولة لا في نصوصها، بل في رجالها.

 

 

#الظهير حين يصير مسؤولية لا مرتبة

 

 

جاء السيد عبد الغني الصبار، عامل عمالة مكناس، حاملاً ظهيرًا شريفًا وقّعه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله. والظهير عند أهل الفهم ليس لقبًا يُتزيَّن به، ولا مقعدًا يُستراح إليه، بل أمانة تُحمل وحساب يُنتظر.

 

Advertisement

 

وقد فهمها خديم الأعتاب الشريفة على وجهها: انتظر ما وسعه الانتظار، وأمهل مجموعات التدبير المتعاقبة مهلةً كافية، فلما تبيّن أن الانتظار مضيعة، وأن مجلسًا متضارب المصالح لن يُخرج ورشًا واحدًا إلى الوجود، تقدّم وأنقذ الممكن، ثم أنقذ ما كان يُحسب في عداد المستحيل.

 

رجلٌ في تفاصيل الميزانية

لم يكن حضوره حضورَ بروتوكول، ولا إشرافَ صور. كان حضورًا في التفصيل: في تحويلات الميزانية ومساراتها، وفي المرتجعات التي كادت تضيع فأُعيدت إلى دائرة الصرف، وفي تقييم الاعتمادات بندًا بندًا حتى لا يبقى درهمٌ معطّلاً في مدينةٍ تحتاج كل درهم.

 

وحين تعثّر التمويل، لم ينتظر المساطر تمشي على مهلها، بل حمل الملفات إلى القطاعات الوزارية والمؤسسات المانحة والممولة، يفاوض ويقنع ويُلحّ، حتى استُدركت مشاريع كان مصيرها الطيّ.

 

جسورٌ أعاد بناءها بعد أن هُدمت

ومن أعجب ما يُروى في هذا الملف أن شركاء التنمية والتمويل كانت جسور التواصل معهم مقطوعة، لا لعلّة تقنية ولا لخلاف حول جدوى، بل بفعل الصراعات السياسية الداخلية التي جعلت المدينة رهينة خصومةٍ لا ناقة لها فيها ولا جمل.

 

فأعاد السيد العامل وصلَ ما انقطع، وحثّ الشركاء على العودة إلى الطاولة، وأقنعهم بأن مكناس أكبر من خلافات أهلها العابرة. فما هي إلا أشهر حتى عادت الملفات تسير، وعاد الشركاء يوقّعون.

Advertisement

 

#إعادة ترتيب الأولويات

 

ثم جاءت الخطوة الأصعب: إعادة ترتيب أولويات التنمية. فقد كانت الأولويات قد رُتّبت وفق منطق الحسابات لا وفق منطق الحاجة، فقُدّم ما لا يُستعجل وأُخّر ما لا يحتمل التأخير. فأعاد ترتيبها على أساس واحد: أين يقف ألم الساكنة؟ فمن هناك يبدأ الورش.

 

#عينٌ على التعمير والبيئة

 

 

ولم يقتصر تدخّله على البناء، بل امتد إلى المراقبة. فوقف على مخالفات التعمير حيث استسهل بعضهم البناء خارج القانون، ووقف على الاختلالات البيئية التي أرهقت أحياء بعينها، وأدرك أن مدينةً تُبنى بيدٍ وتُخرَّب بأخرى لا تتقدم خطوة واحدة.

 

 

#جولات المساء وبابٌ لا يُغلق

Advertisement

 

ومن مأثور سيرته في هذه السنة أنه لم يكتف بالتقارير الصاعدة إليه، فالتقرير قد يُجمَّل. بل نزل بنفسه، وجال أطراف المدينة في المساء حيث لا كاميرا ولا استقبال، ورأى بعينه ما لا يُكتب في المحاضر.

 

وفتح باب مكتبه لشكايات رعايا صاحب الجلالة ومقترحاتهم، فصار المواطن العادي يجد من يسمعه بعد أن أعياه أن يجد من يجيبه. وذاك وحده، في زمن انصرف فيه كثيرون عن الإنصات، إنجازٌ يُحسب.

 

 

#سنةٌ غيّرت ملامح مدينة

 

 

والنتيجة أمام العيان، لا تحتاج إلى بيان ولا إلى دعاية: ملامح المدينة تغيّرت في أقل من سنة. شوارع فُتحت بعد انتظار، وأوراش انطلقت بعد جمود، ووتيرةٌ استعادت أنفاسها بعد أربع سنوات من الشلل.

 

وقد كان الثمن الذي دفعته مكناس في تلك السنوات ثمنًا باهظًا لا يُقاس بالدرهم وحده، بل بما تسرّب إلى نفوس الناس من نفورٍ من السياسة ومن المؤسسات المنتخبة نفسها. وتلك أخطر الخسائر، لأن إصلاح الطريق أهون من إصلاح الثقة.

Advertisement

 

وبعد

 

فإن الشكر الذي توجّهه ساكنة مكناس اليوم لخديم صاحب الجلالة ليس مجاملةً ولا تزلّفًا، بل اعترافٌ بجميل من اشتغل حين تفرّج غيره. ومن ضاق صدره بهذا الشكر فليقصد المرآة قبل أن يقصد الناس، وليسأل نفسه سؤالاً واحدًا: ماذا قدّم هو في أربع سنوات؟

 

أما من يُهلّل باسمه في صدر الاجتماعات، ثم يعود إلى بطانته فينكر صنيعه، فتلك خصلة لا تُحسب في السياسة، وإنما تُحسب في الأخلاق. والمدينة تُبنى بالفعل لا بالتذمّر من ثناء الناس على من فعل.

 

ومكناس السلطانية، التي عرفت كيف تُشيَّد الأسوار، تعرف اليوم من يبني ومن يتفرّج.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version