Connect with us

أخبار

بوبكر عموري “جمال العبارة وحرارة القضية”

Published

on

الوطنية بريس

بقلم: حميد بركي

 

وُلد الشريف الإدريسي ” بوبكر عموري ” سنةَ 1962 بالشمالِ الغربيِّ التونسي، هناكَ حيثُ تتعانقُ الجبالُ مع سنابلِ القمح، وحيثُ يتعلّمُ الإنسانُ منذُ طفولتِه أنَّ الأرضَ كتابٌ مفتوح، وأنَّ الريحَ تحملُ أخبارَ البلادِ قبلَ الجرائد، في تلك البيئةِ المشبعةِ بخشونةِ الحياةِ ودفءِ البسطاءِ، تشكّلت ملامحُ شخصيتِه الأولى، فشبَّ مأخوذًا بالكلمة، مُصغيًا إلى إيقاعِ الناسِ في المقاهي والأسواق، وإلى حكاياتِ العمّالِ والفلاحينَ والمعلّمين، حتى صارَ الأدبُ عندهُ ابناً للواقع، لا ترفًا معزولًا عن وجعِ الإنسان، ومنذُ سنواتِه الأولى، بدا ميّالًا إلى الفكرِ والقراءة، يرى في اللغةِ أكثرَ من وسيلةِ تعبير، فدخلَ عالمَ التعليمِ أستاذًا، ولم يكنْ التعليمُ بالنسبةِ إليه إلا رسالةً تُبنى بها العقولُ وتُصانُ بها كرامةُ الإنسان، كانَ يؤمنُ أنّ السبورةَ قد تكونُ أحيانًا أشرفَ منابرِ الوطن، وأنّ الطفلَ الذي يتعلّمُ معنى السؤالِ اليوم، قد يصيرُ غدًا حاملَ مشعلِ التنوير، لذلك ظلَّ وفيًّا للمهنةِ حتى بعدَ تقاعدِه، لأنّ المعلّمَ الحقيقيَّ لا يتقاعدُ من رسالتِه، فهو رجل مسؤول يواصلُ بالحرفِ والموقفِ والقدوة، كما أنه لم يكن شاعرًا منعزلًا في برجِ اللغة، فقد كان ابنَ الشارعِ والنقابةِ والموقفِ السياسيّ، جمعَ بين القصيدةِ والفعل، بين الحلمِ والالتزام، بين جمالِ العبارةِ وحرارةِ القضية، إنه مثقف عضوي عبر انخرطه في العملِ النقابيِّ والسياسيِّ مؤمنًا أنّ الثقافةَ سلاحٌ ضدّ التجهيل، وصوتٌ في وجهِ القمع، ونافذةٌ يطلُّ منها الإنسانُ على حريتِه.

ومن هذا الوعي، كان من مؤسسي حركة بدائل التونسية، تلك الحركةِ التي راهنت على الفكرِ النقديِّ وعلى البحثِ عن أفقٍ سياسيٍّ وثقافيٍّ مختلف، يليقُ بكرامةِ الإنسانِ التونسيّ، كما ساهمَ في تأسيسِ ملتقى النقابيين الشعراء ضمن الاتحاد العام التونسي للشغل، ليصنعَ جسرًا بين الكلمةِ والنضال، ويؤكدَ أنّ الشاعرَ شاهدٌ على عصرِه وحارسٌ لنبضِهم، وفي المشهدِ الثقافي، لمعَ اسمُه عضوًا في اتحاد الكتاب التونسيين، حيثُ حضرَ شاعرًا وكاتبًا ومثقفًا مشاغبًا، يحملُ همَّ الثقافةِ الوطنيةِ، ويؤمنُ بأنّ الأدبَ يُكتبُ بالمعاناةِ والانحيازِ إلى الإنسان،

أما تجربتُه الشعرية، فهي تجربةٌ تتقاطعُ فيها الذاتُ مع الوطن، والحنينُ مع الأسئلة، والحلمُ مع الانكسار، ففي ديوانِه “معزوفة الغيم” تتجلّى القصيدةُ مثلَ موسيقى حزينةٍ تعبرُ سماءَ الروح، حيثُ يصبحُ الغيمُ استعارةً للتيه، وللأملِ المؤجَّل، وللأرواحِ التي تبحثُ عن مطرٍ يطهّرُ الذاكرة، أما “القطار” يتحوّلُ السفرُ إلى رمزٍ فلسفيٍّ للحياة، فالإنسانُ عندهُ راكبٌ في قطارِ الزمن، يحملُ حقائبَ الخساراتِ والحنين، ويطلُّ من نافذةِ العمرِ على محطاتٍ لا تعود.

أما ديوانُ “تجاعيد”، فهو كتابةٌ ضدّ النسيان، ضدّ محوِ التفاصيلِ الصغيرةِ التي تصنعُ جوهرَ الإنسان، هناك تتحوّلُ التجاعيدُ إلى خرائطَ للذاكرة، وإلى آثارِ معاركَ خاضها القلبُ بصمت، ثم يأتي مشروعُه الشعريُّ الكبير “ديوان العبارة” في مجلّدين، ليؤكدَ شغفَه باللغةِ وإيمانَه بأنّ العبارةَ كائنٌ حيٌّ يحملُ وجعَ الشاعرِ وأسئلتَه ورؤيتَه للعالم،

وفي النثر، كتبَ عن الشهيد شكري بلعيد كتابَه “شكري بلعيد من النضال إلى الاغتيال: مواقف وشهادات”، وهو يحاولُ أن يحفظَ ذاكرةَ رجلٍ تحوّلَ إلى رمزٍ للنضالِ المدنيِّ والفكريّ في تونس، وقد بدا في هذا العملِ وفيًّا لفكرةِ التوثيق، مؤمنًا بأنّ الشعوبَ التي تُهملُ ذاكرتَها تُعيدُ أخطاءَها باستمرار،

ولأنّه يرى في الترجمةِ جسراً بين الثقافات، انفتحَ على اللغةِ الفرنسية، فنقلَ إليها ديوانَ الشاعر محمد اللغافي “مكتظٌّ بي أيها الفراغ”، كما ترجمَ ديوانَ الشهيدِ شكري بلعيد “أشعارٌ نقشتها الريحُ على أبوابِ تونسَ السبعة”، في محاولةٍ لجعلِ القصيدةِ التونسيةِ تعبرُ حدودَ اللغةِ والجغرافيا،

ويصدرُ له قريبًا ديوانُ “لا شيء في النسيان إلا اسمك”، وهو عنوانٌ يكشفُ طبيعةَ عالمِه الشعريّ؛ عالمٌ يرفضُ النسيان، ويؤمنُ أنّ بعضَ الأسماءِ تبقى حيّةً في الذاكرةِ مهما غابَ أصحابُها.

ولم يكتفِ بالتأليفِ والترجمة، فإنه على سبيل هذا أسّسَ فضاءاتٍ ثقافيةً حرّةً، من بينها الملحق الثقافي “منارات” بجريدةِ الشعب، ليكونَ منبرًا للكلمةِ الجادّة، ومنارةً تُقاومُ عتمةَ الرداءة، كما كان من مؤسسي رابطة شعراء سيكا والملتقى الثقافي الحر، ولا يزالُ يديرُهما بروحِ المؤمنِ بأنّ الثقافةَ فعلُ حياة، لا مناسبةٌ عابرة،

إنّ الحديثَ عن بوبكر عموري هو حديثٌ عن مثقفٍ اختارَ أن يكونَ منحازًا للإنسان، وعن شاعرٍ يرى في القصيدةِ بيتًا للحرية، وعن معلّمٍ أدركَ أنَّ أخطرَ أشكالِ الفقرِ هو فقرُ الوعي، لذلك ظلَّ وفيًّا للكلمة، لا يهادنُ الرداءة، ولا يساومُ على القيم، ولا يكتبُ إلا حينَ يشعرُ أنّ الحرفَ صار ضرورةً أخلاقية.

Advertisement
Ad Banner

هو واحدٌ من أولئك الذين لم يفصلوا يومًا بين الفكرِ والحياة، بين الشعرِ والموقف، بين الجمالِ والنضال، لذلك بقيَ اسمُه حاضرًا في الذاكرةِ الثقافيةِ التونسية، باعتبارِه صوتًا من أصواتِ المعنى في زمنِ الضجيج

 

حميد بركي

Continue Reading
Advertisement Ad Banner
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *