Connect with us

أخبار

سوسن العوني شاعرة “تزرع الألحان في الغيوم الداكنة”

Published

on

الوطنية بريس

حميد بركي

 

تنهض قصيدة الشاعرة سوسن العوني على بنية شعورية عميقة، تجعل النص أشبه برحلة داخل الذات الإنسانية وهي تواجه هشاشتها وأسئلتها الوجودية الكبرى، باعتبارها تجربة روحية وفلسفية تنفتح على القلق، والتيه، والبحث المضني عن يقين قادر على إنقاذ الروح من الانكسار، ومنذ العتبة الأولى للنص، تضعنا الشاعرة أمام ذات مأزومة تعاني اختلالًا داخليًا حادًا حين تقول: “الآماد تُخلُّ بموازيني”، حيث تتحول الآماد، بما تحمله من معنى الامتداد الزمني والمسافات البعيدة، إلى قوة ضاغطة تُربك التوازن النفسي والوجداني، وكأن الذات تعيش حالة من التشتت بين ماضٍ مثقل بالأسئلة وحاضر عاجز عن منحها الطمأنينة،

وتبدو اللغة في القصيدة متوترة ومشحونة بالرموز والانزياحات، إذ لا تعتمد على الوصف المباشر، إنها عبارات تخلق عالمًا شعريًا تتداخل فيه الطبيعة بالمشاعر، والكون بالروح، ففي قولها: “تزرع الألحان في الغيوم الداكنة”، نلمس محاولة الذات استخراج الجمال من قلب العتمة، وكأن الموسيقى فعل مقاومة ضد الحزن والانطفاء، فالغيوم الداكنة تحيل إلى تراكم الهموم والاختناق النفسي، بينما تأتي الألحان بوصفها طاقة روحية تحاول اختراق هذا السواد، وهنا تتجلى الرؤية الشعرية الحديثة التي تجعل الصورة قائمة على التناقض بين النور والعتمة، بين الأمل والانكسار،

كما تستثمر مفردات الطبيعة القاسية مثل “الصحراء القاحلة” و”الصقيع” و”المغيب”، لتجعل منها معادلًا موضوعيًا لحالة الفراغ الروحي والجفاف الوجداني، فالصحراء فضاء للتيه والوحدة، بينما يتحول الصقيع إلى رمز للبرودة العاطفية والجمود الداخلي، ومن خلال هذا الحقل المعجمي القاتم، تبرز الذات وهي تحاول “شحذ بعض الأمل”، في إشارة إلى أن الأمل أصبح فعلًا شاقًا يحتاج إلى مقاومة مستمرة، ويحتل السؤال مساحة مركزية داخل النص، حتى تكاد القصيدة كلها تُبنى على فعل التساؤل، فالأسئلة ليست بحثًا عن إجابات بقدر ما هي تعبير عن الحيرة الوجودية التي يعيشها الإنسان المعاصر – تقول الشاعرة: “اسألوا الرياح عن هجرتها الأولى؟ البراكين عن سر تأججها؟ السجائر عن تكوّن غيوم رمادية؟”

إن هذا المقطع يكشف عن نزعة فلسفية واضحة، لأن الذات راحت تستنطق عناصر الكون كله، فالرياح ترمز إلى الترحال والضياع، والبراكين إلى الانفجار الداخلي المكبوت، بينما تشير السجائر إلى الاحتراق البطيء للروح، وبهذا تتحول الطبيعة إلى مرآة عاكسة للقلق النفسي والتمزق الداخلي،

ومن الناحية البلاغية، تعتمد الشاعرة على الاستعارة المركبة والصور الكثيفة التي تمنح النص أبعادًا إيحائية واسعة، ففي قولها: “واسألوا أناملي كيف تنسج بالحبر أوهامها”، يتحول الحبر إلى أداة لصناعة الوهم الجميل، وكأن الكتابة محاولة لإعادة تشكيل العالم وفق رغبات الذات وآلامها، وهنا تتجلى الوظيفة العلاجية للشعر، إذ يصبح النص وسيلة لمواجهة الانكسار الداخلي، حتى وإن كان ذلك عبر “الأوهام” فالكتابة عند الشاعرة فعل وجودي يمنح الذات قدرة مؤقتة على النجاة،

وتبلغ القصيدة ذروة التوتر والانفعال في الصورة الشعرية المدهشة: “ويصهل الماء في كبدي” صورة تقوم على مفارقة فنية عميقة، إذ يُمنح الماء، رمز الصفاء والحياة، صفة “الصهيل” المرتبطة بالخيول والعنف والانفجار، هذا التداخل بين المتناقضات يكشف عن احتدام داخلي هائل، حتى إن الجسد نفسه يصبح ساحة لصراع نفسي وروحي، لذلك يأتي قولها: “والنبض مختنق” ليعكس حالة الاختناق الوجودي التي بلغت حدًّا يجعل الحياة نفسها عاجزة عن التدفق بحرية، غير أن التحول الجوهري في القصيدة يحدث عندما تنتقل الذات من فضاء السؤال والتيه إلى فضاء الأمومة والخلاص، ففي لحظة انكسار عميقة تقول الشاعرة: “كلما فرّت الجهات من بوصلة يقيني ألوذ بأمي”

وهنا تتحول الأم من شخصية واقعية إلى رمز كوني للدفء والحماية واليقين، فحين تضيع الجهات وتفشل البوصلة في تحديد الطريق، لا تجد الذات ملاذًا سوى الأم، وهي الحنان العاطفي، قوة قادرة على إعادة ترتيب الفوضى الداخلية، كما يظهر في قولها: “بصوتها الذي يرتب فوضى المجرات في صدري”

وهي صورة شعرية شديدة العمق، تمنح للأم بعدًا كونيًا يجعلها قادرة على تنظيم العالم المضطرب داخل الذات، كما أن يدها “تمحو صقيع النص”، أي أنها تمنح للكتابة دفئها الإنساني وتحرر الروح من جمود الألم، ومن هنا تتحول الأم إلى رمز للخلاص الروحي وإعادة الولادة،

ويبلغ النص قمته الشعورية والفلسفية في الخاتمة: “أنتِ الوتين… وما دون وجهكِ سطر زائد في كتاب التيه.”

Advertisement
Ad Banner

فالوتين هو شريان الحياة، وبذلك تصبح الأم مرادفة للحياة نفسها، بينما يغدو كل ما عداها مجرد زيادة لا معنى لها داخل متاهة الوجود، وهذه النهاية تمنح القصيدة بعدًا إنسانيًا بالغ التأثير، إذ تنتقل الذات من القلق الوجودي إلى نوع من الطمأنينة الروحية التي يمنحها الحضور الأمومي، ومن الناحية الأسلوبية، تنتمي القصيدة إلى الشعر الحديث أو قصيدة النثر، حيث تغيب الأوزان التقليدية لتحل محلها موسيقى داخلية قائمة على التكرار والإيقاع النفسي وتدفق الصور الشعرية، كما تعتمد الشاعرة على لغة رمزية كثيفة تجعل النص مفتوحًا على تأويلات متعددة، وهو ما يمنحه قيمة جمالية وفكرية عالية،

إن قصيدة سوسن العوني نص عن الإنسان في لحظة ضعفه الكبرى، حين تتكاثر الأسئلة ويضيع اليقين، فيبحث عن ملاذ ينقذه من السقوط، وقد استطاعت أن تجعل من الأم رمزًا للحياة والمعنى، ومن الشعر وسيلة لمقاومة العدم والاختناق، لذلك تبدو القصيدة تجربة وجودية متكاملة، تُزاوج بين الألم والجمال، وبين الفلسفة والشعر، لتكشف أن الإنسان مهما أثقلته الأسئلة، يظل محتاجًا إلى حضن يعيد ترتيب فوضى العالم داخله.

Continue Reading
Advertisement Ad Banner
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *