الوطنية بريس

الدكتور حسن الجامعي

الحمد لله الذي امتن على عباده بنعمة الأمن والأمان، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على النبي العدنان ما تعاقب الملوان، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

وبعد، فتعدّ الحاجة إلى الأمن من الأساسيات للإنسان إذا فقدها اختل توازنه، واضطربت شخصيته، وحدثت لديه بعض الأمراض النفسية والعضوية، وعندما يفقد الإنسان أمنه يفقد ثقته بنفسه ويفقد ثقته بالآخرين. وقد امتن الله عز وجل في كتابه الكريم على عباده بنعمة الأمن والأمان. قال تعالى : ((الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ )) سورة الأنعام 82. يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: ( إن هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئاً هم الآمنون يوم القيامة ). فيكون الأمن من العذاب في الحياة الآخرة غاية ونعمة عظيمة يبشر الله بها عباده الصالحين، وفي الحياة الدنيا يعدّ استتباب الأمن في حياة الأفراد والشعوب ذا أهمية خاصة أولاها الإسلام ما تستحقه من اهتمام وتقدير. وهذا المطلب النفسي والروحي طلبه سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام من ربه، فقال الله عز وجل على لسان خليله : ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ)) سورة البقرة 126. وفي سنن ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أصبح منكم معافى في جسده، آمناً في سربه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا )).

فالحق في الأمن من الحقوق الأساسية التي نصت عليها جل المواثيق الدولية، بخاصة المادة (03) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) التي أكدت على الحق في الأمن والسلامة الشخصية و الطمأنينة للمواطن، كما جاء فيها : ( لكل فرد حق في الحياة و الحرية و في الأمان على شخصه). كذلك المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي جاء فيها بالحرف : ( لكل فرد حق في الحرية وفى الأمان على شخصه ). وعليه، فإن كفالة هذا الحق ضرورية لتمكين الفرد من ممارسة باقي الحقوق والحريات الأخرى. فمن البديهي أن الشخص المقيد الحرية أو غير الآمن على نفسه وعرضه وماله لا يمكنه – على سبيل المثال – ممارسة حقه في حرية التنقل، وباقي الحقوق التي لا تستقيم الحياة إلا بوجودها. كما أن هذا الحق نصت عليه القوانين الوطنية في دستور المملكة باعتباره أسمى قانون في البلاد، في الفصل 21 و 22، ونص في الفصل 20 على الحق في الحياة.

وعليه يتبادر إلى الذهن سؤال له ارتباط بما نحن بصدد دراسته وهو ما مفهوم الأمن الوطني ؟

إذا نظرنا إلى اصطلاح الأمن الوطني فإننا نجده يتكون من عنصرين، عنصر الأمن، وهو في اللغة نقيض الخوف، أما الشق أو العنصر الثاني لهذا المفهوم فهو كلمة وطني وهي هنا يعنى الدولة بعناصرها الثلاثة؛ الأرض، والسلطة، والشعب. فالأمن جهاز يسعى إلى حفظ حقوق المواطنين، الخاصة والعامة من حيث منع الاعتداءات على سيادة الدولة وكيانها من الفتن الداخلية والاعتداءات الخارجية. فهو جهد يومي يتوخى تنمية ودعم الأنشطة الرئيسة السياسية والعسكرية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية، ودفع أي تهديد أو تعويق أو أضرار بتلك الأنشطة. وللوظيفة الأمنية خصائص عدة يمكن إجمالها فيما يلي:

• أنها العمود الفقري لأجهزة الدولة الوطنية المختصة بشؤون الأمن، والتي لا تستطيع تحقيق وظيفتها إلا من خلال الاختصاص والذاتية من حيث التكوين والممارسة.

• أن لها وظيفتين أساسيتين من حيث الاستعمال والتطبيق في الميدان التدخلي وهما: استظهار القوة وعرضها. واستخدام القوة في ممارستها اليومية. وطبيعة هذه الوظيفة تستلزم التدريب والتسليح والانضباط فهي (نظامية ) على رغم أهدافها ووظائفها المنصبة على المجال المدني.

• أنها تتميز بالأداء الجماعي، فلا تستطيع الوظيفة الأمنية، بلوغ أهدافها إلا من خلال هذا الأسلوب أي عمل الفريق بحيث تتكامل جهود مختلف التخصصات في صيانة عمليات الأمن وتحقيق أهدافه .

• أن الجهات المكلفة بحفظ الأمن تتحرك في إطار قانوني ونظامي همها الوحيد الحفاظ على النظام العام، هذا إلى جانب الأنظمة واللوائح التي تحكم سلوك أفرادها سواء عند أدائهم لمهامهم الوظيفية، أو مسلكهم الشخصي العام، بوصفهم أفراداً مكلفين بتنفيذ المهام الأمنية الموكلة لكل فريق.

وحتى لا تتسع دائرة النقاش حول فعالية الأمن الوطني في بلدنا المغرب – لأن هذا الأمر يطول ويحتاج إلى دراسة معمقة لا يسمح بها المقام – باعتباره حقق طفرة نوعية في استتباب الأمن داخل المغرب وخارجه. سوف أركز على جهاز أمني أبان عن قدرته وحنكته المتطور في فك الشفرات الإجرامية التي تمس بأمن الدولة داخليا وخارجيا. وأقصد بذلك الجهاز الأمني المتخصص في مجال مكافحة الإرهاب وتفكيك خلاياه في ظل التهديدات الإرهابية المتنامية، بحيث جعلته نموذجا يحتذى به ومدرسة في فن التعامل مع هذه الظاهرة المرضية الخطيرة، جعلت الشركاء من الدول الغربية يسعون في طلب هذه الخبرة والإشادة بها. ففعالية الأجهزة الأمنية المغربية، وقدرتها على العمل في إطار الحرفية والمهنية العالية نتيجة التجارب التي اكتسبتها من خلال الأعمال الإرهابية والانتحارية التي هزت مدينة الدار البيضاء سنة 2003، كل ذلك أكسبها قدرة وحرفية في التعامل مع هذه القضايا الشائكة التي عجزت الكثير من الأجهزة الأمنية الغربية عن معالجتها. وتجدر الإشارة – وهذا من باب الإنصاف – أن نذكر بأن الأجهزة الأمنية المخابراتية لم يقتصر عملها في المقاربات الأمنية التقليدية والكلاسيكية إن صح التعبير، بل تجاوزته إلى المقاربة الدينية والروحية. فبعد الإصلاحات التي طالت الحقل الديني الذي سعى إلى تحصين المساجد من أي استغلال وتوظيف إديولوجي، حيث تمركزت المنظومة الدينية الإصلاحية حول ترسيخ الثوابت الدينية المجمع عليها والمتمثلة في: العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف الجنيدي السني، وإمارة المؤمنين، والحفاظ على الوحدة الترابية. عملت الأجهزة الأمنية الوطنية على تحصين الشأن الديني من التطرف واستغلال الدين في المئارب السياسوية التي تستهدف أمن الوطن وتسعى إلى زعزعة أمنه واستقراره.

إذا بعد هذه الديباجة المختصرة حول الأجهزة الأمنية المغربية وفعاليتها ودورها في إقرار السكينة العامة، وصيانة الحق والعدل، يجمل بنا الحديث عن استراتيجية تطوير المؤسسات الأمنية حتى تكتمل الصورة.

• رفع مستوى الخدمات التي تقدمها المؤسسات الأمنية للمواطنين، وتعميمها على مختلف أرجاء الوطن. بحيث يجدر بالمعاهد التكوينية لهذا الجهاز أن تسعى إلى توسيع دائرة المعالجة الأمنية في ربوع المملكة. فهناك بعض المناطق التي تعتبر حساسة يلزم دعمها بطاقات أمنية تتماشى وتتناغم مع مواطنيها.

• تأهيل رجل الأمن وإعداده بحيث تتكامل شخصيته علميا وخلقياً ومهنياً فيرتفع مستوى مهاراته وعلومه ومعارفه ويستوعب ما يحدث في العالم من تحولات ويفهمها جيداً ليكون مستعدا للتفاعل معها بوعي وإدارك. وهذا يدعونا إلى خلق التكامل البدني والعقلي والنفسي والأخلاقي في رجل الأمن حتى يكون أهلا لتلك المهمة الشريفة.

• إعداد العاملين في مجال الأمن على استخدام مختلف التقنيات الحديثة التي يحتاج إليها في أداء مهامه، حتى يستطيع أن يؤديها بما يحفظ حقوق الوطن والمواطن. فتطوير آليات العمل أمر محتوم ومطلوب حتى تكون المردودية فعالة.

• إخضاع رجال الأمن وخاصة الذين يعالجون القضايا الوطنية الحساسة التي تمس بأمن الوطن لبرامج التدريب المستمر من خلال برامج علمية وتدريبية محددة للإفادة منهم مهاريا وذهنيا وسلوكياً. وهذا الأمر يحتاج إلى طاقات وخبرات العاملين في هذا الحقل قدموا الكثير من الإنجازات الميدانية.

• تكوين الأجهزة الأمنية على فن التواصل مع المواطنين وكسب ثقتهم، فعمل الأجهزة الأمنية لا يكتمل إلا بالتعاون مع المواطنين. فيتم إقناع المواطن بأن يبذل بعض الجهد في حماية نفسه وممتلكاته ضد النشاط الإجرامي للمنحرفين، وأن يقدم للجهات الأمنية ما يستطيع من مساعدة وما يتوافر لديه من معلومات تساعد على منع الجريمة قبل وقوعها وعلى ضبط الجريمة بعد وقوعها. فإذا كان المواطن يذكر الدولة بحقه في الحرية والأمن كشيء أساس، فعليه أن يتذكر حق المجتمع عليه في تحقيق الأمن، لأن الدولة لا تستطيع القيام بواجباتها الاجتماعية المختلفة منفردة دون مساعدة المواطنين.

وأخيرا وليس آخرا، هناك توصيات أسوقها من باب الاستئناس عساها تكون نافعة وتعطي ثمارها. ومن هذه التوصيات:

• على الجهات الأمنية عند تأديتها لوظائفها الأمنية بالتعـامـل مـع الظروف الطارئة بعقلانية وموضوعيـة في محاولـة عـلاج المشكلة علمياً بهدف التحكم في مسـارهـا واتجاههـا؛ وهذا يتطلب الاعتماد على الخبرات العلمية واستخدام البيانات والمعـلومـات المناسبة ومراعاة ظرفية التدخل.

• ضرورة التنسيق بين الأجهزة الأمنية المتعددة الاختصاصات، تلتقي فيها المعلومات، وتتنوع فيها الرؤى، وتنسق فيها خطط العمليات، وذلك بالاعتماد على التخطيط العلمـي والتنظيـم والتوجيه والـرقـابـة، لتكون القرارات بعيـدة عـن الارتجالية والعشـوائيـة والانفعـالات الوقتيـة.

• كلنا يدرك المثل القائل: ” الوقاية خير من العلاج “، فالمنع و اتخاذ التدابير الوقائية يكون أحيانا أجدر وأجدى من التدخل الفعلي، وهذا ما يطلق عليه استراتيجية الحد من الأسباب. فالتباع الوسائل الوقائية العقلانية والمنهجية في التعامل مع الحدث يوفر على الأجهزة الأمنية تبذير الطاقات،وتضييع الأوقات.

• تدارك الأخطاء الناتجة عن بعض العناصر غير المدربة وتنقصها الحنكة المهنية وذلك بالدفاع عن نقاط الضعف الموجودة في عمل المؤسسة الأمنية. فقوات التدخل في القضايا الأمنية البسيطة لا تستوي مهاراتها المهنية مع القوات التي تلاحق الجماعات الإرهابية. وبالتالي ينبغي الانتباه إلى مسألة التكوين الذاتي الذي يطور الشخصية المعارفية لعنصر الشرطة.

• تخصيص دورات تكوينية للقوات الأمنية التي تتعامل مع الملفات الحساسة وخاصة التي لها علاقة بأمن الدولة والسلامة العامة. فمن الخطأ الجسيم أن يشتغل شخص ينتمي إلى الأسرة الأمنية وهو لا يفرق بين الفرق والطوائف الدينية. فلكل فرقة منهجها وخططها وقناعتها وأسلوبها وموقفها من النظام.

هذا ما تسنى لي الحديث عنه في عجالة، وإلا فالموضوع أوسع من أن يحاط به في سطور معدودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *