أخبار
جامع الفنا… بين الأمس واليوم
إدريس عابر
شاعر زجال وباحث في التراث
لا مدينة في العالم تملك قلباً ينبض مثل “ساحة جامع الفنا”.
إنها ليست مجرد ساحة، بل هي قصيدة مفتوحة على السماء، ومسرحٌ لا تُسدل ستارته أبداً.
تعتز بها مدينة مراكش اعتزازاً خاصاً، ويفتخر بها المغرب كله. فهي من بين أشهر الساحات العالمية وأكثرها حيوية وحركة. يقصدها الزوار من داخل الوطن وخارجه بحثاً عن الأصالة وعبق التاريخ. وقد توّجت منظمة “اليونيسكو” هذا الإرث الإنساني الفريد سنة 2001، باعترافها به تراثاً شفهياً لا مادياً للإنسانية.
إن جوهر جامع الفنا يكمن في “الحلقة”… إنها مدرسة الشعب المفتوحة.
في أحضانها تلتقي الفرق الموسيقية فتُطربنا بألحانها بالعربية والأمازيغية. نذكر لا للحصر مجموعة “الحوزي” و”السي عمر” وفرقته، والعازف المبدع البيضاوي على آلة الكمان وهو يلامس أوتار الروح.
وهناك “فليفلة” مدرسة في النكتة الارتجالية الهادفة. يُضحك وفي الوقت نفسه يُوقظ وعيك.
كذلك فرقة “حمادة موسى” بحركات بهلوانية رياضية تُوقف أنفاس الحاضرين.
ولكن روح جامع الفنا الحقيقية كانت ولا تزال في صوت الحكواتيين. هم الذين كانوا ينسّمون الساحة بحكايات “العنترية” و”الأزلية”.
منهم تعلمنا الذوق وتعلمنا الخيال.
وأذكر منهم بكل فخر واعتزاز: باقشيش، والشرقاوي، وبن فايدة. كانوا يملؤون الحلقة بحكايات أسلافنا وأقوال”سيدي عبد الرحمن المجدوب”. ولا ننسى بوشعيب العيساوي، وعمر ميخي.
فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر
ومن رواد الحلقة كذلك الذين طبعوا ذاكرتنا: “دكتور الحشرات” و”التيمومي” الذي كان يُلقّبه عشاق الحلقة بـ “الأُورُوسكوب” لفراسته.
كما لا يمكن أن ننسى الفنان الكبير *”المسيح”* صاحب الحلقة الهزلية، و*”الصاروخ”* أحد أبرز الفكاهيين الذين افتخرت بهم الساحة.
لا بد من الإشارة إلى مروضي الأفاعي والثعابين الحاضرين بقوة، وإلى بائعي الأعشاب الطبية بمختلف أنواعها، الذين كانوا بمثابة “صيدلية الفقراء”.
جامع الفنا تمنح الفرح وتفتح أبوابها للجميع. لكن هذا الانفتاح يحمل في طياته تحدياً:
ظهور متطفلين على المهنة، يمارسون حرفاً بلا تكوين ولا ترخيص، مما قد يُعرّض الناس البسطاء لأضرار صحية ونفسية .
اليوم تقع على عاتقنا جميعاً مسؤولية الحفاظ على “الحلقة” وتنظيمها. لأن موت الثقافة الشعبية يعني موت جزء أصيل من ذاكرة مراكش.
جامع الفنا جامعة تراثية لا نظير لها، قدمت لنا كنوزاً لا تقدر بثمن.