أخبار

من “سواعد المغترَب” إلى “عقول الوطن”.. المعادلة الجديدة لإعادة ابتكار المغرب

Published

on

 

نافذة بقلم حميد عسلاوي

 

لم يعد حديث “مغاربة العالم” مجرد استرجاع لقصص الكفاح العصامي لجاليات الصدمة الأولى، الذين غادروا البلاد قديماً مسلحين بجهدهم وبساطة حلمهم. إننا اليوم يقيناً أمام جيل جديد بالكامل؛ جيل يقلب المفاهيم التقليدية لظاهرة “هجرة الأدمغة”. فبينما تحوم هذه الظاهرة في مختلف دول العالم الثالث كخسارة صافية، يرسم النموذج المغربي استثناءً فريداً يحول “النزيف” إلى “شريان حياة” يعيد ضخ الكفاءات.

إن أبناء المهاجرين الأوائل الذين ولدوا ونشأوا في ديار المهجر، وتدرجوا في أرقى الجامعات والمعاهد العالمية، يمثلون اليوم قوة ناعمة وقيمة استراتيجية لا تُنكر. وهم في ذلك يلتقون في المنتصف مع أقرانهم من الشباب الذين يغادرون المغرب سنوياً لاستكمال دراستهم أو عملهم في أوروبا وأمريكا، ليشكلوا معاً كتلة بشرية عالية التأهيل، متسلحة بأحدث معارف العصر ومهاراته.

لكن، ما هو السر في هذه المعادلة المغربية الخاصة؟

السر والرهان الحاسم يكمن في “عاطفة الانتماء العابرة للحدود”.

إن هؤلاء الشباب—على عكس الكثير من نظرائهم في دول أخرى—يحملون في وجدانهم ارتباطاً بالوطن الأم يفوق أحياناً ارتباطهم ببلدان النشأة والتكوين. هو ارتباط لا تقف حدوده عند الرمزية العاطفية، بل يمتد ليكون رغبة حقيقية في وضع خبراتهم وعلاقاتهم ورؤوس أموالهم المعرفية في خدمة مسيرة التنمية التي تشهدها المملكة.

وهنا بالضبط يتجلى دور الدولة ومؤسساتها:

الاستثمار في الوجدان: تحويل هذا الارتباط العاطفي إلى مشاريع عملية عبر إيجاد بيئة احتضان حقيقية، تُشعر هذه الكفاءات بأن عودتها ليست مجرد تضحية، بل هي فرصة للنجاح والمشاركة الفعالة في بناء المستقبل.

تسهيل المساطر والآليات: خلق جسور مرنة للتبادل المعرفي والمهني، سواء بالعودة الاستقرارية أو عبر العمل عن بُعد والشراكات الاستراتيجية.

تثمين المبادرات: الاعتراف بدور هذه الكفاءات كفاعلين أساسيين في النموذج التنموي الجديد، وليس مجرد مصادر للتحويلات المالية.

Advertisement

إن الرهان اليوم لم يعد يتعلق فقط بوقف هجرة العقول، بل بمدى قدرتنا على “دولة الاستثمار في الوفاء”. فالمغرب الذي يبني مستقبله بثبات يتطلب تضافر سواعد أبنائه في الداخل مع عقول أبنائه في الخارج، لتكتمل الصورة وتتحول الرغبة في العطاء إلى قوة تغيير حقيقية على أرض الواقع.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version