Connect with us

أخبار

العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وأثرها في فهم القرآن

Published

on

 

الوطنية بريس حميد بركي

 

تعد قاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» من أهم القواعد الأصولية التي ينبني عليها فهم القرآن الكريم واستنباط أحكامه، وقد قررها جمهور الأصوليين والمفسرين؛ لأن القرآن نزل هدايةً للناس كافة، فلا تختص أحكامه بالأشخاص الذين نزلت فيهم الآيات، ما دام الخطاب عامًا ولم يرد دليل يخصصه(¹).

وقد دل على هذه القاعدة عمل الصحابة رضي الله عنهم قبل أن تدون في كتب الأصول، إذ كانوا يعممون الأحكام التي نزلت في أسباب خاصة، فآيات الظهار، واللعان، والقذف، والسرقة، وغيرها، لم تبق أحكامها مقصورة على أصحاب الوقائع، وإنما أجمع العلماء على شمولها لكل من تحقق فيه سبب الحكم(²).

ومن أوضح الأدلة على ذلك حديث الرجل الذي قبّل امرأة أجنبية، فنزل قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: 114]، فلما قال: ألي هذه يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «بل للناس كافة»، فدل ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب(³).

وكذلك لما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أنفسنا بيد الله»، انصرف النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا﴾ [الكهف: 54]، مع أن الآية وردت في سياق الحديث عن الكفار، فاستدل بها النبي صلى الله عليه وسلم على وصف وجد في مسلم، فكان ذلك دليلًا على أن الأوصاف القرآنية لا تنحصر في سبب نزولها، فهي تعم كل من اتصف بها(⁴).

ومن التطبيقات المهمة لهذه القاعدة قوله تعالى: ﴿الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم﴾ [التوبة: 97].

فكلمة «الأعراب» في القرآن لها معنى خاص في لغة العرب والاستعمال القرآني، فالأعراب هم سكان البادية، أما العرب فهم الأمة المعروفة، ومنهم أهل الحاضرة ومنهم أهل البادية، ولذلك قال أهل اللغة: كل أعرابي عربي، وليس كل عربي أعرابي(⁵) وفي نظري لا اتفق مع هذا القول، لأنه ليس كل أعرابي أعرابي، فقد يكون غير العربي، وانما يراد به من يعيش خارج الحضارة،

ولهذا اختار القرآن «الأعراب» ولم يقل «العرب»؛ لأن المقصود بيان أثر البيئة الاجتماعية والمعيشية، لا الحكم على جنس أو قومية بعينها.

وقد جاءت هذه الآية في سياق الحديث عن المنافقين والمتخلفين عن غزوة تبوك، فليس المقصود إصدار حكم مطلق على جميع أهل البادية، وإنما بيان أن هذه البيئة يغلب عليها من الجفاء والبعد عن مصادر العلم ما يجعل الكفر والنفاق ـ إذا وُجدا فيها ـ أشد وأغلظ(⁶).

وقد بينت الآية نفسها علة ذلك، فقال تعالى: ﴿وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾، فلم تجعل سبب الذم النسب أو العرق، فقد جعلته البعد عن معرفة أحكام الدين وحدوده، لقلة مخالطة العلماء، وبعدهم عن مجالس الوحي والتعليم(⁷).

Advertisement
Ad Banner

ولهذا ربط المفسرون، كالطبري، والقرطبي، وابن كثير، والسعدي، شدة الكفر والنفاق عند الأعراب بالجفاء، وخشونة الطبع، وقلة المخالطة، والبعد عن التعلم، ولم يجعلوا ذلك راجعًا إلى كونهم عربًا في أصلهم(⁸) كما أن القرآن نفسه نفى إرادة العموم الاستغراقي في هذه الآية، فقال بعدها مباشرة: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول﴾ [التوبة: 99]، فاستثنى المؤمنين منهم، ولو كان الحكم شاملًا لكل فرد لما صح هذا الاستثناء(⁹).

والاستقراء يبنى على ماتشير إليه العلة، او سبب الحدث وما يراد بالكلام، وقد جاءت السنة مؤيدة لهذا المعنى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من بدا جفا»، أي أن الإقامة في البادية يغلب أن تورث شيئًا من الجفاء بسبب طبيعة الحياة، لا أن كل ساكن بادية مذموم أو ناقص الدين(¹⁰).

ومن هنا يتبين أن العبرة ليست باسم «الأعراب» وحده، وإنما بالعلة التي علقت عليها الآية الحكم، وهي الجهل بحدود ما أنزل الله، والبعد عن التربية الإيمانية، ولذلك فإن هذا الوصف قد يتحقق في أي جماعة، عربية كانت أو غير عربية، إذا وجدت فيها هذه الأسباب، فالاسم يبقى خاصًا بسياقه التاريخي واللغوي، أما المعنى والعلة فهما عامان لكل من اتصف بهما، ومن هذا الباب أيضًا قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: 7]. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى(¹¹)، إلا أن هذا لا يعني قصر الآية عليهم وحدهم؛ لأن العبرة بعموم الوصف.

فاليهود استحقوا الغضب لأنهم عرفوا الحق ثم أعرضوا عنه، والنصارى وصفوا بالضلال لأنهم عبدوا الله على غير علم، فصاروا أصلًا لهذين الوصفين، غير أن كل من عرف الحق ثم تركه دخل في معنى المغضوب عليهم، وكل من عبد الله أو اعتقد في دينه بغير علم دخل في معنى الضالين، سواء كان من اليهود أو النصارى أو المسلمين أو غيرهم، ولهذا قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن كل من اتصف بسبب الغضب أو الضلال دخل في الآية بحسب ما فيه من ذلك الوصف(¹²) وعلى هذا يظهر أن القرآن يجمع بين خصوص السبب وعموم الهداية، فمعرفة سبب النزول تعين على فهم المراد، لكنها لا تحصر دلالة النص في أول من نزلت فيه الآية، ما دام لفظها عامًا، ولذلك بقي القرآن صالحًا للهداية والاستدلال في كل زمان ومكان، وعليه كانت قاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» من أعظم القواعد التي تحفظ عالمية القرآن، وتكشف أن المقصود من القصص والأوصاف والأحكام هو بيان السنن الإلهية والأوصاف العامة التي تتكرر في الناس إلى قيام الساعة.

 

الهوامش

 

(¹) الشافعي، الرسالة، تحقيق أحمد محمد شاكر، مكتبة الحلبي، القاهرة، ص 90-92؛ الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، تحقيق محمد محمد تامر، دار الكتب العلمية، 3/269؛ الشنقيطي، مذكرة في أصول الفقه، ص 209.

 

(²) ابن تيمية، مقدمة في أصول التفسير، تحقيق عدنان زرزور، دار القرآن الكريم، ص 39-42؛ الزركشي، البحر المحيط، 3/269-276.

 

(³) أخرجه البخاري (526) ومسلم (2763).

Advertisement
Ad Banner

 

(⁴) أخرجه البخاري (7465) ومسلم (775).

 

(⁵) ابن منظور، لسان العرب، مادة: (عرب)؛ الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة: (عرب).

 

(⁶) الطبري، جامع البيان، تحقيق عبد الله التركي، دار هجر، 14/469-472؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق سامي سلامة، دار طيبة، 4/182.

 

(⁷) الطبري، جامع البيان، 14/470؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق أحمد البردوني، دار الكتب المصرية، 8/240.

 

(⁸) الطبري، جامع البيان، 14/469-472؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 8/239-241؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 4/182؛ السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 344.

 

(⁹) الطبري، جامع البيان، 14/478؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، 10/266.

Advertisement
Ad Banner

 

(¹⁰) أخرجه أبو داود (4288)، وأحمد (6655)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6187).

 

(¹¹) أخرجه أحمد (19642)، والترمذي (2954)، وحسنه، وصححه ابن حبان والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع (8205).

 

(¹²) ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، تحقيق ناصر العقل، دار عالم الكتب، 1/28-31، وانظر: مجموع الفتاوى، 1/93-95

Continue Reading
Advertisement Ad Banner
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *