Connect with us

أخبار

الطريقة العيساوية  مدرسة روحية مغربية جمعت بين الذكر والفن والتراث

Published

on

 

الوطنية بريس

محمد الحمدوشي

 

 

النشأة، الشيخ المؤسس، والسياق التاريخي

 

 

تعد الطريقة العيساوية واحدة من أبرز الطرق الصوفية في المغرب، وأحد أهم المكونات الروحية والثقافية التي أسهمت في تشكيل الهوية الدينية المغربية عبر أكثر من خمسة قرون. فقد استطاعت، منذ نشأتها خلال القرن السادس عشر الميلادي، أن تجمع بين التربية الروحية والالتزام بالشريعة الإسلامية، وبين محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وفنون السماع والمديح، لتصبح مدرسة تربوية متكاملة وإرثا حضاريا تجاوز حدود المغرب إلى بلدان المغرب الكبير وعدد من الدول العربية والأوروبية.

ولم تعد العيساوية مجرد طريقة صوفية، بل غدت مؤسسة للتربية والإصلاح، وحافظة لجزء مهم من التراث اللامادي المغربي، بما تتضمنه من أوراد وأذكار ومدائح نبوية وموسيقى روحية ومواسم دينية، جعلتها تحتل مكانة خاصة في الوجدان المغربي. وكما جاء في كتاب : “الشيخ الكامل سيدي محمد بن عيسى: طريقة وزاوية واستمرارية” للأستاذ علال العيساوي آل الشيخ الكامل.

أن الشيخ الكامل «يتبوأ مكانة مرموقة في الهداية والإرشاد، شعاره فيها: السنة تجمعنا والبدعة تفرقنا» ص9، وهو شعار يعكس المنهج الإصلاحي الذي قامت عليه الطريقة، كما يشير إلى أن إشعاعها تجاوز المغرب ليصل إلى الجزائر وتونس وليبيا، وهو ما يؤكد البعد المغاربي للطريقة العيساوية. ( مرجع سابق ص 9).

لقد استطاعت الطريقة العيساوية أن تحافظ على أصالتها رغم تعاقب الأزمنة، بفضل ارتباطها بالثوابت الدينية للمغرب، وحرصها على الجمع بين العلم الشرعي، والتربية الروحية، وخدمة المجتمع، وهو ما جعلها تحظى باحترام العلماء والمؤرخين والباحثين، وتظل إحدى أبرز المدارس الصوفية في العالم الإسلامي.

Advertisement
Ad Banner

 

نشأة الطريقة العيساوية

 

ظهرت الطريقة العيساوية بمدينة مكناس خلال القرن السادس عشر الميلادي، في مرحلة ازدهرت فيها الحركة الصوفية بالمغرب، وبرزت الزوايا باعتبارها مؤسسات علمية وتربوية واجتماعية لعبت دورا محوريا في الحفاظ على وحدة المجتمع المغربي ونشر قيم الاعتدال والتسامح.

وتعد الطريقة العيساوية امتدادا للمدرسة الشاذلية الجزولية، التي أسس أصولها الإمام أبو الحسن الشاذلي، ثم جدد معالمها الإمام محمد بن سليمان الجزولي، صاحب كتاب «دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار»، الذي يعد من أشهر كتب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في العالم الإسلامي.

وقد حملت الطريقة اسم مؤسسها الشيخ سيدي محمد بن عيسى، الذي اشتهر بلقب «الشيخ الكامل»، وهو لقب لم يكن يمنح إلا لمن بلغ مرتبة عالية في العلم والتربية والسلوك عند أهل التصوف.

وقد قامت الطريقة منذ بدايتها على مجموعة من المبادئ الأساسية، منها:

التمسك بالقرآن الكريم.

اتباع السنة النبوية.

الإكثار من ذكر الله.

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

تزكية النفس.

Advertisement
Ad Banner

تهذيب الأخلاق.

خدمة المجتمع.

نشر قيم المحبة والتسامح ، حتي قيل: “المحبة عيساوية”

ولم تكن هذه المبادئ مجرد شعارات، بل شكلت برنامجا عمليا في حياة المريدين داخل الزاوية العيساوية، حيث اقترنت العبادة بالعلم، والتربية بخدمة الناس.

ويشير الأستاذ علال العيساوي إلى أن ظهور الطريقة جاء في سياق تاريخي خاص، إذ عرف المغرب خلال القرن العاشر الهجري والسادس عشر الميلادي اضطرابات سياسية واقتصادية نتيجة ضعف السلطة المركزية وانشغال القوى الوطنية بالصراعات الداخلية، الأمر الذي أفسح المجال أمام الزوايا والطرق الصوفية للقيام بأدوار الإصلاح الاجتماعي وجمع الناس على كلمة الدين بعدما فرقتهم النزاعات السياسية. (مرجع سابق، ص 11)

ومن هذا المنطلق، لم تكن الطريقة العيساوية مجرد تنظيم صوفي، بل ساهمت في تحقيق الأمن الروحي والاستقرار الاجتماعي، وأصبحت إحدى المؤسسات التي حافظت على تماسك المجتمع المغربي.

 

الشيخ المؤسس سيدي محمد بن عيسى “الشيخ الكامل”

 

يعد سيدي محمد بن عيسى واحدا من كبار علماء المغرب وأوليائه، ومن أبرز الشخصيات التي تركت بصمة عميقة في تاريخ التصوف المغربي.

وقد جمع بين العلم الشرعي والتربية الروحية، وبين الزهد والعمل والإصلاح، فاستحق أن يكون من كبار أقطاب التصوف السني بالمغرب.

وكان تأثيره يتجاوز حدود زاويته بمدينة مكناس، إذ امتد إلى مختلف جهات المغرب، ثم إلى الجزائر وتونس وليبيا، قبل أن تنتشر طريقته مع الجاليات المغربية في أوروبا.

Advertisement
Ad Banner

 

نسبه الشريف

 

ينتمي الشيخ الكامل إلى الأسرة الحسنية السباعية، ويورد الأستاذ علال العيساوي نسبه كاملا بقوله:

«سيدي محمد بن عيسى بن عامر بن عمر بن حريز بن عبد المؤمن بن عيسى، المكنى بأبي السباع.» ويرجع نسبه إلى الولي أبي السباع المدفون بجبل أضاض بمنطقة سوس، والذي تنتسب إليه الأسرة السباعية. (مرجع سابق، ص 20)

ويمنح هذا النسب الشريف للشيخ الكامل مكانة روحية واجتماعية كبيرة داخل المجتمع المغربي، حيث عرفت الأسرة بالعلم والصلاح وخدمة الدين.

 

مولده ونشأته

 

تجمع أغلب المصادر التاريخية على أن الشيخ الكامل ولد سنة 872 للهجرة، الموافق لـ1467 ميلادية، وهي السنة التي اعتمدها عدد من المؤرخين المغاربة، ومنهم الأستاذ علال العيساوي. (ص 49)

وقد ولد بمنطقة سوس، في أسرة عرفت بحفظ القرآن الكريم والتمسك بالدين، كما عرفت بالجهاد في سبيل الله، إذ يذكر المؤلف أن بعض أفراد الأسرة استشهدوا ودفنوا بالساقية الحمراء. (ص 49)

وكان والده قد هاجر من السوس الأقصى إلى نواحي مكناس، حيث استقر وتزوج هناك، ثم رزق بابنه محمد، الذي ظهرت عليه منذ صغره علامات الذكاء والنجابة وحب العلم…

Advertisement
Ad Banner

أدرك والده أهمية العلم، فاصطحبه إلى مدينة فاس، العاصمة العلمية للمغرب آنذاك، وهيأ له الظروف المناسبة للالتحاق بجامع القرويين، أحد أقدم الجامعات في العالم الإسلامي، حيث أشرف بنفسه على بداية مسيرته العلمية. ( ص 49)

وفي رحاب القرويين، حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم درس:

الفقه المالكي.

علوم الحديث.

التفسير.

اللغة العربية.

النحو والبلاغة.

علوم التصوف.

وأصبح من العلماء الذين يجمعون بين المعرفة الشرعية والسلوك الروحي، حيث عرف بورعه وزهده وحسن أخلاقه.

 

العودة إلى مكناس

 

Advertisement
Ad Banner

بعد سنوات طويلة من طلب العلم، عاد الشيخ الكامل إلى مدينة مكناس، حيث بدأ حياته مدرسا للعلوم الشرعية، ثم تحول إلى شيخ مربٍ، يقصده الطلاب والمريدون من مختلف مناطق المغرب.

ويذكر الأستاذ علال العيساوي أن الشيخ الكامل عاد إلى مكناس مدرسا ثم شيخا مربيا، فلفت الأنظار وبهر عقول الناس وأثار إعجابهم بما امتلكه من علم وحكمة وخلق رفيع. (ص 50)

ومن مكناس انطلقت رسالته الإصلاحية، فأسس زاويته التي سرعان ما تحولت إلى مركز علمي وروحي يستقبل الناس من مختلف الفئات دون تمييز، حيث جمع بين التدريس والتربية والإرشاد والإصلاح الاجتماعي.

 

لماذا لقب بالشيخ الكامل؟

 

لم يكن لقب «الشيخ الكامل» مجرد لقب تشريفي، بل كان يعبر عن مرتبة علمية وروحية سامية لا ينالها إلا من جمع بين العلم بالشريعة، والتزكية، وحسن التربية، وكمال السلوك.

ويشير الأستاذ علال العيساوي إلى أن هذا اللقب كان يمنح لمن توفرت فيه شروط معينة عند أهل التصوف، وهو ما يدل على المكانة التي بلغها سيدي محمد بن عيسى في حياته. (ص 55)

وقد وصفه صاحب كتاب «دوحة الناشر» بقوله:

«ومنهم الشيخ المربي، العارف بالله تعالى، مورد الواردين، ومفيد المسترشدين، صاحب الإفادة والتنويه والإشادة، أبو عبد الله محمد بن عيسى.» (ص 59)

ويختزل هذا الوصف شخصية الشيخ الكامل باعتباره عالما، ومربيا، ومرشدا، وصاحب إشعاع روحي امتد إلى أجيال متعاقبة.

 

Advertisement
Ad Banner

شيوخه وسنده الروحي

 

آمن الشيخ الكامل بأن التربية الصوفية لا تقوم إلا على الاتصال بالمشايخ والأخذ عنهم، ولذلك حرص على تلقي العلم والسلوك عن كبار أعلام عصره.

ويؤكد الأستاذ علال العيساوي أن الاتصال بالقوم والأخذ عنهم ووصل السند الروحي بهم كان أمرا لا غنى عنه في بناء شخصية الشيخ الكامل. (ص 65)

ومن أبرز شيوخه:

الشيخ أحمد الحارثي.

الشيخ عبد العزيز التباع، أحد كبار أعلام المدرسة الجزولية.

الشيخ محمد الصغير السهلي.

وقد تشبع من خلالهم بروح المدرسة الشاذلية الجزولية، حتى أصبح خليفة للطريقة الجزولية ووارثا لسرها الروحي، قبل أن يؤسس مدرسته الخاصة التي ستعرف فيما بعد بالطريقة العيساوية. (ص 70)

وهكذا جمع الشيخ الكامل بين السند العلمي والسند الروحي، فاستطاع أن يؤسس مدرسة صوفية أصيلة، تقوم على التمسك بالشريعة، وتزكية النفوس، وخدمة المجتمع، لتصبح فيما بعد واحدة من أكثر الطرق الصوفية انتشارا وتأثيرا في المغرب وخارجه.

 

مبادئ الطريقة العيساوية

Advertisement
Ad Banner

 

لم يقم البناء الروحي للطريقة العيساوية على مظاهر الاحتفال والذكر فحسب، بل تأسس منذ نشأته على منظومة تربوية متكاملة، جعلت من الزاوية مدرسة لإصلاح الإنسان وتقويم سلوكه، وفق تعاليم الإسلام السمحة. فقد كان الشيخ الكامل سيدي محمد بن عيسى يرى أن التصوف الحق لا ينفصل عن الكتاب والسنة، وأن الطريق إلى معرفة الله يبدأ بالالتزام بأحكام الشريعة، ثم الارتقاء في مدارج الإحسان من خلال مجاهدة النفس، وحسن الخلق، وخدمة الناس.

وقد عبر الشيخ الكامل عن هذا المنهج بشعاره الخالد: «السنة تجمعنا والبدعة تفرقنا»، وهو الشعار الذي…يؤكد ارتباط الطريقة بالتصوف السني المعتدل البعيد عن الغلو والانحراف (علال العيساوي، ص 9).

وترتكز الطريقة العيساوية على مجموعة من المبادئ الأساسية، من أهمها:

التمسك بالقرآن الكريم باعتباره المصدر الأول للهداية.

الالتزام بالسنة النبوية الشريفة.

المحافظة على الصلوات في أوقاتها.

الإكثار من ذكر الله تعالى.

الصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

تزكية النفس ومجاهدة الهوى.

بر الوالدين وصلة الرحم.

احترام العلماء والمشايخ.

Advertisement
Ad Banner

التحلي بالتواضع والإخلاص.

خدمة المجتمع وإغاثة المحتاجين.

إشاعة المحبة والتسامح والتعاون بين الناس.

ومن خلال هذه المبادئ، استطاعت الطريقة العيساوية أن تجمع بين التربية الروحية والتكوين الأخلاقي، وأن تجعل من مريديها سفراء لقيم الإسلام السمحة داخل المجتمع المغربي.

 

الحضرة العيساوية… رحلة في الذكر والمديح

 

تعد الحضرة العيساوية من أبرز السمات التي تميز الطريقة، وهي ليست مجرد عرض فني أو موسيقى شعبية كما قد يتصور البعض، وإنما مجلس تعبدي وروحي له أصوله وآدابه، يهدف إلى ذكر الله تعالى، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم، واستحضار معاني المحبة الإلهية والتزكية.

وتبدأ الحضرة غالبا بتلاوة آيات بينات من القرآن الكريم، يعقبها قراءة الأحزاب والأوراد، ثم تتوالى الأذكار الجماعية والصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم، قبل الانتقال إلى إنشاد القصائد والمدائح النبوية التي توارثتها الأجيال داخل الزوايا العيساوية.

ويحرص المقدم أو الشيخ على أن تسير الحضرة وفق نظام دقيق، يجمع بين الوقار والخشوع، ويضمن انسجام المنشدين والمريدين في أداء جماعي يعكس روح الجماعة والانضباط.

وتعتمد الحضرة على عدد من الآلات الموسيقية التقليدية التي أصبحت جزءا من الهوية الفنية للعيساوية، ومن أهمها:

الغيطة.

Advertisement
Ad Banner

الطبل الكبير.

التعريجة.

البنادير.

الدف.

النفير…

ولا تستعمل هذه الآلات باعتبارها غاية في ذاتها، وإنما كوسيلة لتنظيم الإيقاع الجماعي للذكر، ومساعدة المنشدين على أداء القصائد والمدائح في تناغم روحي يضفي على الحضرة أجواء من السكينة والخشوع.

وقد أسهمت الحضرة العيساوية في الحفاظ على جانب مهم من الموسيقى الروحية المغربية، حتى أصبحت موضوعا لعدد من الدراسات الموسيقية والأنثروبولوجية، باعتبارها تمثل نموذجا فريدا يزاوج بين العبادة والفن.

 

الأوراد والمدائح والقصائد العيساوية

 

تزخر الطريقة العيساوية بتراث أدبي وإنشادي غني، تشكل عبر قرون من التراكم الروحي والثقافي، ويضم عشرات القصائد والأذكار والأوراد التي تتغنى بمحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتدعو إلى التوبة والإخلاص وحسن السلوك.

ومن أبرز الموضوعات التي تتناولها القصائد العيساوية:

Advertisement
Ad Banner

مدح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

الشوق إلى الحضرة الإلهية.

التوبة والاستغفار.

الزهد في الدنيا.

تهذيب النفس.

مكارم الأخلاق.

محبة الأولياء والصالحين.

ويتميز الأداء العيساوي بجمال الألحان، وقوة الإيقاع، وروعة التناغم الجماعي بين المنشدين، وهو ما جعل هذا الفن يحظى بإعجاب جمهور واسع داخل المغرب وخارجه.

ومن أشهر الكتب التي يعتمدها مريدو الطريقة:

القرآن الكريم.

دلائل الخيرات للإمام محمد بن سليمان الجزولي.

الأحزاب والأوراد.

Advertisement
Ad Banner

المجموعات الشعرية العيساوية المتوارثة.

وقد حافظت الزوايا العيساوية على هذا التراث الشفهي والمكتوب عبر الأجيال، فانتقلت القصائد والمدائح من الشيوخ إلى المقدمين، ثم إلى المريدين، لتظل حية في الذاكرة الجماعية المغربية.

 

الزاوية العيساوية… مدرسة للتربية والإصلاح

 

لم تكن الزاوية العيساوية مجرد فضاء لإقامة الحضرات، بل كانت مؤسسة دينية واجتماعية متكاملة، لعبت دورا محوريا في الحياة المغربية عبر القرون.

ففيها كان يتم:

تحفيظ القرآن الكريم.

تدريس العلوم الشرعية.

تعليم مبادئ التصوف السني.

استقبال طلبة العلم.

إيواء الغرباء وعابري السبيل.

Advertisement
Ad Banner

إطعام المحتاجين.

إصلاح ذات البين.

ترسيخ قيم التضامن والتكافل.

وقد أدت الزوايا العيساوية دورا بارزا في الحفاظ على الأمن الروحي للمغاربة، وأسهمت في نشر قيم الوسطية والاعتدال، بعيدا عن الغلو والتطرف.

كما كانت فضاء لتكوين الأئمة والفقهاء والمنشدين، مع حفظ التراث الموسيقي والإنشادي للطريقة، وهو ما يفسر استمرار حضورها إلى اليوم داخل مختلف جهات المملكة.

وقد أشار الأستاذ علال العيساوي إلى أن استمرارية الطريقة لم تكن وليدة الصدفة، وإنما جاءت نتيجة قوة مشروعها التربوي، وارتباطها بالسند العلمي والروحي الذي أسسه الشيخ الكامل، واستمرار هذا الإرث عبر تعاقب الشيوخ والمقدمين (انظر: ص 65–70).

 

ضريح الشيخ الكامل بمكناس… قبلة للزوار ومحجة للمريدين

 

يشكل ضريح الشيخ الكامل سيدي محمد بن عيسى بمدينة مكناس أحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية بالمغرب، ويقع في قلب المدينة العتيقة، حيث ظل منذ وفاة الشيخ مركزا للإشعاع الروحي والعلمي للطريقة العيساوية.

ويضم المركب الديني:

الضريح الشريف.

Advertisement
Ad Banner

الزاوية العيساوية.

قاعة الحضرة والذكر.

فضاءات لاستقبال الوفود والزوار.

مرافق مخصصة للأنشطة الدينية والثقافية.

ويقصده آلاف الزوار سنويا من مختلف مناطق المغرب، إضافة إلى وفود من الجزائر وتونس وليبيا وعدد من دول العالم الإسلامي والدول الأوروبية التي تقيم بها الجالية المغربية، وذلك للترحم على الشيخ الكامل، والمشاركة في حلقات الذكر، واستحضار سيرته العلمية والروحية.

ولا يمثل الضريح مجرد مزار ديني، بل يعد مؤسسة ثقافية وروحية حافظت على إشعاع الطريقة لأكثر من خمسة قرون، وأصبحت جزءا من الذاكرة التاريخية لمدينة مكناس، التي ارتبط اسمها بالطريقة العيساوية كما ارتبطت فاس بجامع القرويين، ومراكش بالطريقة الجزولية.

وقد شهد الضريح على مر العصور استقبال العلماء والفقهاء والباحثين، كما ظل فضاء يجمع بين العبادة والعلم والثقافة، وهو ما يعكس المكانة التي يحتلها الشيخ الكامل في الوجدان المغربي.

 

العيساوية… تراث روحي وفني متجدد

 

تميزت الطريقة العيساوية بقدرتها على المحافظة على أصالتها مع الانفتاح على التحولات الثقافية والاجتماعية، فبقيت وفية لرسالتها الروحية، وفي الوقت نفسه أسهمت في صون جانب مهم من التراث الموسيقي المغربي.

وقد أصبحت الحضرة العيساوية اليوم جزءا من المشهد الثقافي الوطني، تحضر في المناسبات الدينية والمواسم الروحية، كما تشارك فرقها في المهرجانات الوطنية والدولية، مقدمة نموذجا للموسيقى الروحية المغربية التي تستمد جمالها من عمقها الديني وأصالتها الفنية.

Advertisement
Ad Banner

وهكذا، استطاعت الطريقة العيساوية أن تجمع بين التربية والإصلاح، والذكر والفن، والأصالة والتجديد، لتظل إحدى أهم المدارس الصوفية التي أغنت التراث المغربي وأسهمت في ترسيخ قيم الاعتدال والمحبة والتسامح.

 

انتشار الطريقة العيساوية داخل المغرب وخارجه

 

لم يقتصر إشعاع الطريقة العيساوية على مدينة مكناس، حيث أسس الشيخ الكامل زاويته، بل سرعان ما انتشرت في مختلف جهات المملكة المغربية، بفضل ما امتازت به من منهج تربوي متوازن يجمع بين الالتزام بالشريعة الإسلامية، والتربية الروحية، وخدمة المجتمع. وقد ساعد على هذا الانتشار تلامذة الشيخ الكامل وخلفاؤه، الذين حملوا رسالته إلى مختلف المدن والقرى، مؤسسين زوايا ومجالس للذكر أصبحت مراكز للإشعاع العلمي والروحي.

وتؤكد المصادر التاريخية أن صيت الشيخ الكامل تجاوز حدود المغرب في حياته، ثم ازداد انتشارا بعد وفاته، حتى أصبحت الطريقة العيساوية من أكثر الطرق الصوفية حضورا في منطقة المغرب الكبير. ويشير الأستاذ علال العيساوي آل الشيخ الكامل إلى أن الشيخ الكامل «يتبوأ مكانة مرموقة في الهداية والإرشاد»، وأن إشعاع طريقته امتد إلى الجزائر وتونس وليبيا، وهو ما يعكس المكانة التي احتلتها العيساوية في الفضاء المغاربي ( ص 9).

وانتشرت الزوايا العيساوية في جل من المدن المغربية، وبمعظم البوادي والأرياف، كما انتشرت في عدد من الدول العربية والإفريقية، خاصة:

الجزائر.

تونس.

ليبيا.

موريتانيا.

مصر.

Advertisement
Ad Banner

ومع موجات الهجرة المغربية خلال القرن العشرين، انتقلت الطريقة العيساوية إلى أوروبا، حيث أسس أفراد الجالية المغربية جمعيات وزوايا حافظت على هذا الإرث الروحي، خاصة في:

فرنسا.

بلجيكا.

هولندا.

إسبانيا.

ألمانيا.

إيطاليا.

كندا.

وأصبحت الحضرات العيساوية تقام في المناسبات الدينية والوطنية، محافظة على صلة أبناء الجالية المغربية بتراثهم الروحي والثقافي.

 

موسم المولد النبوي الشريف… محطة سنوية لتجديد العهد بالمحبة النبوية

 

Advertisement
Ad Banner

يعد موسم المولد النبوي الشريف بمدينة مكناس أهم مناسبة دينية في التقويم السنوي للطريقة العيساوية، حيث يتحول ضريح الشيخ الكامل وزاويته إلى قبلة لآلاف المريدين والزوار والباحثين، القادمين من مختلف جهات المغرب وخارجه.

ويجسد هذا الموسم عمق الارتباط الذي يكنه العيساويون لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، إذ يقوم فكر الطريقة على تعظيم مقام النبوة والإكثار من الصلاة والسلام على الرسول الكريم، اقتداء بالإمام الجزولي صاحب كتاب «دلائل الخيرات»، الذي يشكل أحد أهم المراجع الروحية داخل الزاوية العيساوية.

وتنطلق فعاليات الموسم منذ الأيام الأولى لشهر ربيع الأول، لتتواصل إلى غاية الاحتفال بذكرى المولد النبوي، في أجواء يسودها الخشوع والسكينة.

وتشمل أنشطة الموسم:

ختم القرآن الكريم.

تلاوة الأحزاب والأوراد.

الحضرات العيساوية.

جلسات الذكر الجماعي.

إنشاد المدائح النبوية.

الدروس الدينية.

الندوات الفكرية.

لقاءات علمية حول التصوف المغربي.

Advertisement
Ad Banner

استقبال الوفود الوطنية والأجنبية.

زيارات ضريح الشيخ الكامل.

ويتميز الموسم بحضور وفود تمثل الزوايا العيساوية من مختلف المدن المغربية، إضافة إلى مشاركين من الجزائر وتونس وليبيا وعدد من الدول الأوروبية، مما يحول مدينة مكناس إلى فضاء للتواصل الروحي والثقافي بين أبناء الطريقة داخل المغرب وخارجه.

كما يشكل الموسم فرصة لإحياء قيم التراحم والتكافل وصلة الرحم، حيث تحرص الأسر المكناسية على استقبال الضيوف، وتقديم نماذج من كرم الضيافة المغربية، في مشهد يعكس تلاحم البعد الديني بالبعد الاجتماعي.

 

مهرجان “عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية”

 

في إطار العناية الملكية السامية بالتراث الثقافي المغربي، وتعزيزا لمكانة مدينة مكناس كحاضنة للطريقة العيساوية، شهدت السنوات الأخيرة إطلاق مهرجان “عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية”، الذي أصبح من أبرز المواعيد الثقافية والفنية بالمملكة، والذي تشرف بالرعاية الملكية السامية.

ويهدف هذا المهرجان إلى إبراز الغنى الموسيقي والروحي للطريقة العيساوية، والانفتاح على مختلف التجارب الموسيقية العالمية، في إطار حوار الثقافات، مع المحافظة على أصالة التراث المغربي.

وقد استطاع المهرجان، منذ دوراته الأولى، أن يستقطب اهتمام الباحثين والفنانين والإعلاميين، بفضل برمجته التي تجمع بين البعد الأكاديمي والبعد الفني.

ومن أبرز أهداف المهرجان:

صون التراث العيساوي.

Advertisement
Ad Banner

التعريف بالموسيقى الصوفية المغربية.

تثمين الموروث الثقافي اللامادي.

تشجيع البحث العلمي.

دعم الفنانين الشباب.

إبراز مكانة مدينة مكناس كعاصمة للطريقة العيساوية.

تعزيز الحوار بين الثقافات.

ولا يقتصر برنامج المهرجان على السهرات الفنية، بل يشمل أيضا:

ندوات فكرية.

موائد مستديرة.

لقاءات أكاديمية.

معارض للصور والوثائق التاريخية.

تكريم شخصيات ساهمت في خدمة التراث العيساوي.

Advertisement
Ad Banner

ورشات للتعريف بالآلات الموسيقية التقليدية.

عروض للحضرات العيساوية.

وقد أسهم هذا المهرجان في التعريف بالعيساوية لدى جمهور واسع، خاصة من الشباب، وربطهم بأحد أهم مكونات تراثنا الوطني.

إذ لا يمكن الحديث عن التراث المغربي دون استحضار الطريقة العيساوية، التي أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية للمغاربة، سواء من خلال مواسمها الدينية، أو حضراتها الروحية، أو موسيقاها التقليدية، أو حضورها في المناسبات الوطنية والدينية.

فالعيساوية ليست مجرد طريقة صوفية، بل هي مدرسة في التربية، وفن الإنشاد، ورسالة في الأخلاق، وجسر يربط بين الماضي والحاضر، ويؤكد أن التراث المغربي قادر على التجدد مع الحفاظ على أصالته.

واليوم، يواصل ضريح الشيخ الكامل، وموسم المولد النبوي الشريف، ومهرجان “عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية” الحفاظ على هذا الإرث العريق، مؤكدين أن العيساوية ليست مجرد طريقة صوفية، وإنما مدرسة للتربية والإصلاح، ورافد أساسي من روافد الهوية الحضارية المغربية، ورمز من رموز التنوع الثقافي والروحي الذي يميز المملكة المغربية.

و كذلك جسر للتواصل بين الثقافات والأجيال.

 

Continue Reading
Advertisement Ad Banner
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *