Connect with us

أخبار

علال الفاسي 

Published

on

واصل دراسته العلمية في رحاب جامع القرويين، حيث تلقى مختلف العلوم على أيدي أعلام عصره، كما امتدت تجربته إلى التدريس والإسهام في الحياة العلمية؛ فكان من أولئك الذين جعلوا من العلم رسالة تتصل بقضايا المجتمع والوطن، لا مجرد معرفة محفوظة في بطون الكتب، وقد عُرف عنه اتساع الأفق وتنوع الاهتمامات، إذ جمع بين العلوم الشرعية والقانونية والتاريخية والاجتماعية والأدبية، وهو ما سيظهر بجلاء في مؤلفاته ومواقفه ومجمل نشاطه الفكري.

وفي سنة 1380هـ عُيّن وزيرًا للدولة مكلفًا بالشؤون الإسلامية، غير أنه لم يلبث أن انسحب من الحكومة صحبة رفاقه في حزب الاستقلال سنة 1382هـ، ليعود بعد ذلك إلى ميدان التعليم والتكوين، حيث عُيّن أستاذًا بكلية الشريعة التابعة لجامعة القرويين بظهر المهراز، كما درّس بكليتي الحقوق والآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط، وبمؤسسة دار الحديث الحسنية بالمدينة نفسها، وكان حضوره في مجال التعليم امتدادًا طبيعيًا لمشروعه العلمي، إذ كان ينظر إلى الأستاذية باعتبارها مسؤولية في تكوين الأجيال وصيانة الوعي العلمي والفكري، وقد أسهم في العمل العلمي والتشريعي في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب، فكان عضوًا ومقررًا عامًا في لجنة مدونة الفقه الإسلامي التي شُكّلت في فجر الاستقلال، وهي مهمة تكشف عن المكانة التي احتلها في الحياة العلمية والوطنية، وعن قدرته على الجمع بين المعرفة الفقهية والوعي بحاجات الدولة والمجتمع في مرحلة بناء المؤسسات الحديثة، كما كانت صلته بالعلم ذات امتداد عائلي ومؤسسي عريق؛ فقد أجيز من والده، ومن عمه الفقيه عبد الله الفاسي، كما تلقى الإجازة من شيخه العلامتين أبي شعيب الدكالي ومحمد بن جعفر الكتاني، وكانت إجازاتهم له إجازة رواية كتابية، وهذه السلسلة العلمية تكشف عن انتمائه إلى تقليد علمي مغربي أصيل، كان يرى في الإسناد العلمي صلة بين العالم وموروثه، وبين المعرفة ومصادرها، وبين الماضي والحاضر.

فقد خلّف تراثًا واسعًا امتد إلى مجالات متعددة، بما يعكس تنوع شخصيته العلمية والفكرية. فمن مؤلفاته: «الحماية في مراكش من الوجهتين التاريخية والقانونية»، و«الحركات الاستقلالية في المغرب العربي»، و«السياسة البربرية في المغرب»، و«النقد الذاتي»، و«المغرب العربي من الحرب العالمية الأولى إلى اليوم»، و«حديث المغرب في المشرق»، و«عقيدة وجهاد»، و«منهج الاستقلالية»، و«مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها»، و«دفاع عن الشريعة»، و«الجواب الصحيح والنصح الخالص في نازلة فاس وما يتعلق بمبدأ الشهور الإسلامية العربية»، و«معركة اليوم والغد»، و«كيلا ننسى»، و«محاضرتان عن مهمة علماء الإسلام»، و«المثل الأعلى في الصدق والثبات وحسن الإنابة»، و«نضالية الإمام مالك ورجال مذهبه»، و«واقع العالم الإسلامي»، و«الإنسية المغربية»، و«صحراء المغرب المغتصبة»، و«الإسلام وتحديات العصر»، و «دفاعًا عن الأصالة»، و «في المذاهب الاقتصادية»، و«لفظ العبادة: هل يصح إطلاقه لغير الله»، و«مجموعة أبحاث في الأدب والاجتماع»، و «هل الإنسان في حاجة إلى الفلسفة؟»، و«تاريخ التشريع الإسلامي»، و«شرح مدونة الأحوال الشخصية»، فضلًا عن أبحاثه المفصلة في النظريات الفلسفية المختلفة ومقارنتها بالحرية الإسلامية، و«مستندات لتاريخ المقاومة المغربية.

ولا تختزل هذه العناوين في مجرد كثرة التأليف، فهي تكشف عن طبيعة مشروع فكري اتسعت دوائره من الفقه إلى التاريخ، ومن السياسة إلى الاجتماع، ومن الفكر الإسلامي إلى قضايا الأصالة والحرية والاقتصاد، ومن قضايا المغرب إلى قضايا العالم الإسلامي، وهو اتساع يدل على شخصية لم تكن ترى المعرفة جزرًا منفصلة، وإنما حقولًا متجاورة يتصل بعضها ببعض، ويصب جميعها في سؤال الإنسان والمجتمع والوطن.

وإلى جانب الكتب، ترك مجموعة من الخطب والمحاضرات والمذكرات السياسية والقصائد الشعرية والبحوث والمقالات التي نشرت في عدد من الصحف اليومية والأسبوعية والمجلات الدورية، كما أسهم في الحياة الصحفية والثقافية من خلال إصدار مجلة «البينة»، وجريدة «صحراء المغرب»، و«الحسنى»، وكتب كذلك عددًا من المؤلفات باللغة الفرنسية، مما يعكس حضوره في أكثر من مجال من مجالات التعبير والمعرفة، وقدرته على مخاطبة شرائح مختلفة من القراء.

غير أن هذا الامتداد العلمي والسياسي والفكري لا يحجب جانبًا آخر بالغ الأهمية في شخصيته، هو جانب الشاعر، فقد عرف الشعر منذ سن مبكرة، ونبغ في قرضه، ونظم القصائد الطوال والمقطعات والأراجيز، وتناول في شعره موضوعات دينية وسياسية واجتماعية وتاريخية ووطنية، وجاء كثير من شعره مشحونًا بروح الحماسة والدعوة إلى العمل ومقاومة الخمول والاستسلام. ولذلك استحق عن جدارة أن يُلقب بـ«شاعر الشباب»، وأن يتوج بهذا اللقب الذي ارتبط بمرحلة كان فيها الشعر عنده صوتًا من أصوات النهضة، لا مجرد ممارسة جمالية منعزلة عن قضايا المجتمع.

ومن اللافت أن شعره يلتقي في جوهره مع مشروعه الفكري؛ فهو لا يفصل القصيدة عن الواقع، ولا يرى الشعر ترفًا لغويًا خارج حركة التاريخ، إذ القصيدة عنده يمكن أن تكون نداءً إلى اليقظة، ودعوة إلى العمل، وتحريضًا على تجاوز السبات، وتعبيرًا عن هموم الجماعة وآمالها. وتتخذ تجربته الشعرية بعدًا يتجاوز الصنعة إلى الوظيفة الفكرية والوجدانية، إذ تصبح الكلمة الشعرية وسيلة لإيقاظ الوعي وتحريك الإرادة. ويتجلى ذلك بوضوح في قصيدته «إما حياة وإما ممات»، التي يقول فيها:

 

إلى كم نعـيــش بدون حيـــــاة .. وكم ذا ننـام عـــن الصالحـات؟

فوا حسرتـاه عـــلــى حالـنــــا .. وماذا استفدنا من الحســرات؟

عرانا الذهــــــول ويا ليتنـــــا .. عرانا الذهول عن المهلكــات؟

أنبقـى بــــــلا عمـــل نافــــــع .. ونرضى جميعًا بهذا السبــات؟

Advertisement
Ad Banner

أبيات تكشف عن طبيعة الشعر الذي كان ينشده؛ فالسؤال في مطلع القصيدة هو استفهام يحمل قلقًا جماعيًا، ويضع الإنسان أمام مسؤولية وجوده، فالحياة في نظره تستقيم بقيمة ما يصنعه الإنسان فيها، ولذلك يقابل بين «الحياة» و«السبات»، وبين «العمل النافع» و«الحسرات». وتتداخل القصيدة مع الفكر؛ إذ تتحول الصورة الشعرية إلى موقف، والاستفهام إلى دعوة، والإيقاع إلى حركة نفسية تدفع المتلقي إلى مراجعة ذاته، ولعل هذه الخصيصة هي التي منحت شعره قوته وتأثيره؛ فقد كان يرى أن الشاعر لا يعيش خارج عصره، وأن الكلمة التي لا تستجيب لنبض المجتمع قد تفقد جزءًا من قدرتها على التأثير، ومن ثم جاء شعره متصلًا بقضايا الإصلاح والنهضة والوطن والاستقلال، وحاملًا لروح متوثبة ترى في الأدب أحد ميادين المشاركة في صناعة الوعي.

وهكذا تتكامل في شخصيته صورة العالم والفقيه والمفكر والسياسي والأستاذ والصحفي والشاعر. وليس من الصواب أن ننظر إلى هذه الجوانب باعتبارها مسارات متفرقة؛ فكل واحد منها يفسر الآخر. العالم يمد المفكر بأصول المعرفة، والمفكر يمنح السياسي رؤية، والسياسي يختبر أفكاره في الواقع، والأستاذ ينقل خلاصة تجربته إلى الأجيال، والشاعر يمنح هذه التجربة لغة تتجاوز حدود الكتاب والمحاضرة إلى وجدان القارئ.

و تكتسب تجربته قيمتها التاريخية والثقافية؛ لأنها تمثل نموذجًا للمثقف الذي لم يحصر نفسه في تخصص ضيق، فقد تحرك بين ميادين متعددة، وظل مشدودًا إلى سؤال مركزي هو سؤال الإنسان في علاقته بدينه ووطنه ومجتمعه وتاريخه ومستقبله، ولذلك فإن قراءة تراثه لا ينبغي أن تقتصر على استعادة عناوين كتبه، فتقتضي النظر في وحدة الرؤية التي تنتظمها، وفي الصلات التي تجمع بين فقهه وفكره وشعره ومواقفه الوطنية.

وبعد حياة حافلة بالعطاء العلمي والفكري والسياسي والأدبي، وافته المنية بمدينة بوخاريست، عاصمة رومانيا، إثر نوبة قلبية، عشية يوم الاثنين 20 ربيع الثاني سنة 1394هـ. ونُقل جثمانه إلى أرض الوطن، حيث ووري الثرى بمقبرة الشهداء بحي العلو بمدينة الرباط، لتبقى بعد رحيله آثار قلم امتد في أكثر من مجال، وتبقى كتبه وخطبه ومقالاته وقصائده شاهدة على مرحلة من تاريخ المغرب كان فيها العلم والأدب والسياسة والوطنية تتقاطع في شخصية واحدة.

وإذا كان رحيل الإنسان يضع حدًا لحياته، فإنه لا يضع حدًا لما تركه من أثر، فبعض الرجال يغيبون بأجسادهم، لكنهم يتركون وراءهم أسئلة لا تزال مفتوحة، وكتبًا تستدعي القراءة، وأفكارًا قابلة للحوار، وقصائد تستعيد صوتها كلما احتاج المجتمع إلى من يوقظه من سباته. و لا تكمن قيمة هذا الرجل في كثرة ما كتب فحسب، ففي ذلك التداخل العميق بين العلم والعمل، وبين الفكر والموقف، وبين القصيدة والقضية؛ وهي عناصر جعلت من تجربته صفحة بارزة في تاريخ الفكر المغربي الحديث.

 

من شعر الحماسة

كل صعب على الشباب يهـــون .. هكذا همـــة الرجــــال تكــــون

قدم في الثرى وفـــوق الثـــريا .. همة قدرها هــنــاك مكــيــن

قد حسبناهــــم رجـالا فكانــــوا .. ولهم في الحياة معـزى ثمـيــن

مثلوا ما مضى لهم مـن فخــار .. ليرى ما أتاه دهــر خــؤون

ليرى كيف ضاع عزم و عــز .. و عرى بعده فـــتـور وهـون

Advertisement
Ad Banner

 

 

 

حين يقول :

 

كل صعب على الشباب يهون .. هكــــذا همة الرجال تكــــون

 

فإنه لا يتحدث عن الشباب بوصفه مرحلة عمرية فحسب، فهو يمنحه معنى فلسفيًا يتصل بالقدرة على تجاوز العوائق، فالصعوبة، في هذا التصور، تتحدد بقدرته على مواجهتها، ما يبدو جبلًا أمام العاجز قد يصبح درجة في سلم الطامح، ولهذا جاء قوله «يَهون» لا «يزول». وهذه دلالة دقيقة؛ فالصعوبة لا تختفي بالضرورة، فهي تغير موقف الإنسان منها، إنها تبقى موجودة في العالم، لكن الهمة تجعلها أقل قدرة على إخضاع صاحبها، وكأنه يقول إن الإنسان لا يستطيع دائمًا أن يغيّر طبيعة الطريق، لكنه يستطيع أن يغيّر طريقة سيره فيه، وتتحول الحماسة إلى فلسفة في الإرادة.

فالإنسان، في تصوره، تُقاس قيمته بما استطاع أن يفعله بما وجد، وبناء عليه ترتبط الحماسة عنده بالرجولة، لا بمعناها الجسدي، وبمعنى المسؤولية والعزم والقدرة على حمل الأعباء.

 

هكذا همة الرجال تكون

إن «الهمة» هنا ليست مجرد رغبة، لأن الرغبة قد تكون أمنية، أما الهمة فهي الرغبة حين تتحول إلى فعل، الإنسان قد يتمنى المجد، لكنه لا يبلغ شيئًا بالتمني وحده، وقد يعرف طريق الخير، لكنه لا يسلكه، أما صاحب الهمة فهو الذي يحول الفكرة إلى حركة، والنية إلى عمل، والطموح إلى أثر.

Advertisement
Ad Banner

و ينتقل الشاعر إلى صورة أكثر اتساعًا:

 

قدم في الثرى وفوق الثريا .. همة قدرهــا هناك مكيــــن

 

إنها صورة تقوم على مقابلة بين الأرض والسماء. «الثرى» يمثل موضع القدم، أي الواقع الذي يقف عليه الإنسان، بينما «الثريا» تمثل العلو والغاية البعيدة. والإنسان الحقيقي، في هذا التصور، يعيش بجسده في الأرض، لكن همته لا ينبغي أن تكون أسيرة الأرض، وهي من أجمل الأفكار الفلسفية في المقطع: أن الإنسان يجمع بين الواقع والطموح.

فالقدم في الثرى تعني أن الإنسان لا يعيش في الوهم؛ إنه يعرف الأرض ومشقاتها وحدودها. لكن «الهمة فوق الثريا» تعني أنه لا يسمح للواقع بأن يتحول إلى سقف، إنه يبدأ من الأرض، لكنه لا يجعل الأرض نهاية الطريق.

 

ويمكن أن نفهم «الثريا» بوصفها رمزًا للغايات العالية: المجد، والحرية، والعلم، والكرامة، والاستقلال، وكل قيمة يرى الإنسان أنها تستحق أن يبذل من أجلها.

فالإنسان الذي لا يملك غاية أعلى من واقعه يتحول إلى أسير لواقعه، أما الإنسان صاحب الهمة فيتعامل مع الواقع باعتباره نقطة انطلاق.

 

ثم يقول:

 

Advertisement
Ad Banner

قد حسبناهم رجالًا فكانـــــوا .. ولهم في الحياة مغزى ثمين

 

هنا يتغير الخطاب من الحديث عن الهمة إلى اختبارها في الواقع، إذ لم يعد الأمر مجرد مدح نظري؛ فقد ظن الناس أنهم رجال، ثم جاءت التجربة فأثبتت ذلك.

وهذه النقلة مهمة فلسفيًا؛ لأن الإنسان يُعرف بما يفعله حين تضعه الحياة أمام الاختبار.

فالرجولة حقيقة تُكتشف بالفعل.

قد يكثر الكلام عن الشجاعة، ولكنها تظهر عند الخوف، وقد يكثر الكلام عن الوفاء، ولكنه يظهر حين يصبح الغدر أكثر سهولة، وقد يتحدث المرء عن الوطن، ولكن صدق ذلك يظهر عندما تصبح التضحية من أجل الوطن مكلفة.

ولهذا فإن «فكانوا» تحمل معنى الشهادة بالفعل؛ أي أن الزمن امتحنهم فنجحوا في الامتحان.

ثم تأتي عبارة:

ولهم في الحياة مغزى ثمين

 

وهي تنقل الإنسان من مجرد الفعل إلى معنى الفعل، فليس المهم أن يتحرك الإنسان، فلامهم هو أن يكون لحركته معنى.

وهنا يطرح الشاعر سؤالًا فلسفيًا عميقًا: ماذا يعني أن يعيش الإنسان؟

Advertisement
Ad Banner

هل الحياة مجرد امتداد زمني بين الولادة والموت؟ أم أن قيمتها فيما يتركه الإنسان داخل هذا الزمن؟

البيت يميل بوضوح إلى المعنى الثاني، فالحياة لا تكتسب قيمتها من طولها، فمن أثرها، قد يعيش إنسان زمنًا طويلًا ولا يترك وراءه إلا الفراغ، وقد يعيش آخر زمنًا أقصر لكنه يترك فكرة أو موقفًا أو عملًا يستمر بعد رحيله، وعليه تصبح الهمة وسيلة لصناعة المعنى.

 

ثم يستدعي الشاعر الماضي:

 

مثلوا ما مضى لهم من فخار .. ليرى ما أتاه دهر خــــــؤون

 

الفعل «مثلوا» يحمل معنى الاستحضار والتجسيد؛ فهم لم يكتفوا بالحديث عن الماضي، فقد جعلوا أمجاده حاضرة في سلوكهم، وهذه نقطة جوهرية في فلسفة التاريخ عند الشاعر، فالماضي يمكن أن يكون مادة لبناء الحاضر، لكن الشاعر لا يقع في تمجيد الماضي لمجرد الماضي، فقد استخدمه ليضع الحاضر أمام مرآته. لذلك يقول:

 

ليرى ما أتاه دهر خؤون

 

فالزمن هنا ليس مجرد تعاقب للساعات والسنوات؛ إنه قوة متغيرة قد تمنح الأمم وتنتزع منها، وقد ترفعها ثم تتركها تهوي إذا فقدت أسباب قوتها.

Advertisement
Ad Banner

وصفة «خؤون» تمنح الزمن بعدًا إنسانيًا؛ وكأن الزمن لا يحفظ العهود، ولا يضمن لأحد مكانته، المجد الذي لا يحرسه أهله يمكن أن يضيع، والقوة التي لا تجدد نفسها يمكن أن تتحول إلى ذكرى.

وهنا تظهر فلسفة أخرى: لا يكفي أن يكون للأمة ماضٍ عظيم؛ يجب أن تكون قادرة على إنتاج العظمة في حاضرها، وهذا هو السبب الذي يجعل استحضار التاريخ عند علال الفاسي مختلفًا عن الحنين المجرد. إنه يستدعي الماضي لكي يحاكم الحاضر، لا لكي يهرب إليه.

 

ثم يبلغ المقطع ذروته:

 

ليرى كيف ضاع عزم وعز .. وعرى بعده فتور وهــــون

 

هنا تتحول القصيدة من الاحتفال بالهمة إلى تشخيص الانكسار.

 

العزم كان موجودًا، والعز كان قائمًا، ثم حدث الانهيار. ولم يسقط كل شيء دفعة واحدة، فهي حالة «الفتور» بعد فقدان العزم، ثم جاء «الهون» بعد الفتور، وهو ترتيب يحمل دلالة نفسية وحضارية عميقة.

فالانهيار لا يبدأ دائمًا بالسقوط الكبير؛ قد يبدأ بتعب داخلي صغير، ثم يتحول التعب إلى فتور، والفتور إلى استسلام، والاستسلام إلى قبول بالهوان. وأخطر ما يصيب الإنسان أو الأمة ليس الفشل، فإنه فقدان الرغبة في النهوض بعد الفشل، إذ الفشل يمكن أن يكون مرحلة، أما الفتور فقد يصبح حالة.

والعجز الخارجي قد يُقاوم، لكن العجز الداخلي هو الذي يجعل الإنسان يستسلم للواقع.

Advertisement
Ad Banner

 

ومن هنا نفهم لماذا جعل «العزم» في مواجهة «الفتور». فهو طاقة نفسية تحفظ للإنسان قدرته على الاستمرار.

إن القصيدة تتحرك إذن من الصعب إلى الهمة، ومن الهمة إلى الفعل، ومن الفعل إلى المجد، ومن المجد إلى التاريخ، ومن التاريخ إلى اكتشاف أسباب الانهيار، وهذه الحركة هي التي تمنح النص بعده الفلسفي.

فالشاعر لا يقول للشباب: كونوا أقوياء وحسب، فعمق القول أوسع مما عليه من الكلمات المعبرة،: حيث إن العالم لا يعطي مكانته لمن ينتظرها، وإن التاريخ لا يحفظ المجد لمن يكتفي بذكره، وإن الإنسان لا يثبت قيمته بما ورثه، فهو لاجتهاد والنضال.

ويمكن قراءة «الشباب» في القصيدة بوصفه رمزًا يتجاوز العمر، فكل إنسان يمكن أن يكون شابًا ما دامت فيه القدرة على البدء، وعلى الحلم، وعلى المقاومة، وعلى التجدد، وقد يكون شابًا في جسده، لكنه شيخ في إرادته، كما يمكن أن يكون متقدمًا في السن لكنه يحمل من الهمة ما يجعله أكثر شبابًا من كثير من الشباب. وهي فكرة تجعل الحماسة عند علال الفاسي فلسفة في الزمن الداخلي للإنسان؛ فالعمر الذي يحسبه التقويم شيء، والعمر الذي تقيسه الإرادة شيء آخر.

والقصيدة في نهاية الأمر ليست مديحًا للشباب بقدر ما هي دفاع عن الإنسان القادر على أن يتجاوز نفسه.

إنها تقول إن الإنسان يبدأ من الأرض، لكن قيمته لا تحددها الأرض التي يقف عليها؛ لأن قدمه قد تكون في الثرى، بينما تطمح روحه إلى الثريا، وقد يكون الواقع ثقيلًا، لكن الهمة تمنع ثقله من أن يتحول إلى قدر نهائي، وقد يكون الماضي مجيدًا، لكن المجد الموروث لا ينقذ حاضرًا فقد عزمه، وقد يمر الزمن بالخيانة، لكن الإنسان لا ينبغي أن يخون نفسه بالفتور.

ويلتقي الشعر بالفكر، فالشاعر يبني فلسفته بالصور والإيقاع والمقابلات: الثرى والثريا، الصعوبة والهون، العزم والفتور، العز والهوان، الماضي والدهر – وهذه الثنائيات هي العمود الفكري للنص؛ فالشاعر يرى الإنسان دائمًا بين قطبين: بين الأرض والسماء، بين العجز والقدرة، بين المجد والانكسار، بين الذاكرة والمستقبل.

فإن الحماسة محاولة لإعادة بناء الإنسان من الداخل، فحين يوقظ الشاعر الهمة، فإنه يريد أن يعيد للإنسان ثقته بقدرته على الفعل؛ وحين يستحضر الماضي، فإنه لا يريد منه أن ينام في أمجاده، فهو يريده أن يستيقظ على مسؤوليته تجاه المستقبل.

وتكمن قيمة شعر علال الفاسي: أنه يجعل القصيدة أداة للوعي، ويجعل الحماسة نوعًا من التربية، ويجعل التاريخ مرآة، والمجد مسؤولية، والهمة شرطًا لصناعة المستقبل.

إن البيت الأخير، «وعرى بعده فتور وهون»، تحذير دائم، فكل جماعة قد تفقد عزمها، وكل إنسان قد يعرف لحظة فتور، وكل حضارة قد تدخل مرحلة من الضعف، لكن السؤال الذي تتركه القصيدة مفتوحًا هو: هل نقبل بالفتور بوصفه قدرًا، أم نستعيد العزم قبل أن يتحول الفتور إلى هوان؟

 

Advertisement
Ad Banner

حميد بركي

 

المغرب

Continue Reading
Advertisement Ad Banner
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *