Connect with us

أخبار

الاستقلالية الذاتية بين الفردانية والمجتمع

Published

on

الوطنية بريس

ذ . ياسين بركي

 

> _”الإنسان مدني بالطبع، ولكن حريته تبدأ حيث تنتهي حدود الآخرين”_

> _ابن خلدون_

 

*1. وهم امتلاك الآخر*

يظن كلٌّ أنني وُجدتُ لأقدم خدمةً له وحده، لا لغيره، معتبراً بذلك نفسه أرقى شخص ضمن هذا “الغير”، وأن كل اهتماماتي يجب أن تصبّ نحوه أولاً، ثم الآخر والآخر. وقد يقدم لذلك عدة مبررات أخلاقية حسب رأيه، أو دينية حين يركز على بعض التعاليم ويترك الأخرى، ليمنح لنفسه الأحقية الكاملة في توقع جل تصرفاتي تجاهه أو تجاه الآخر. والأبعد من ذلك أنه يتوقع حتى طريقة الرد واللغة والكلمات والنبرات، لمجرد أنه يفكر تلقائياً أن وجودي حلقة من حلقات حياته، وفرد وسط مجتمعه، وكأننا في فيلم هو بطله وكاتبه ومخرجه. يظن أنه يعلم خبايا النفوس، ويجب أن تنصب أعمالي وأعمال غيري نحوه ونحو مصلحته، موهماً نفسه بأنه بما أنني إنسان يجب أن أكون كائناً اجتماعياً محافظاً على هذه اللحمة الاجتماعية، وإن تسببتُ أو تسبب غيري في بعثرتها فقد أذنبنا؛ والذنب يذهب النوم ويُرهق الجفن.

 

*2. ضغط “التيار” وتعدد الولاءات*

حقاً هو كذلك في جل حالاته وليس كلها. ولكي أعيش أنا وغيري مرتاحو البال يجب علينا خدمة المجتمع، في حين يعتبر هو نفسه أرقى فرد داخل هذا المجتمع الذي نعيش فيه، سواء كانت صفته صديقاً، أو زميل عمل، أو من يحمل معك نفس الهم السياسي والعملي والعلمي والاجتماعي، أو أحد أفراد الأسرة والعائلة. كلٌّ يمجد صفته حسب موقعه. وإن تساءلتُ: من أنا؟!

يجيبونني: أنت كائن اجتماعي لك حقوق وعليك واجبات؛ ومن واجباتك السباحة مع التيار. لكن أي تيار؟ فلكلٍّ تياره الخاص. فالصديق ينتظر منك تصرفات وسلوكيات تخدمه أولاً لتساعده في المضي إلى الأمام نفسياً أو مادياً، أما العائلة والأسرة فلا تتقبل فكرة أن هناك طرفاً آخر يمكنه أن يأخذ حيزاً كبيراً من قلبك وتفكيرك… لذلك ينتظرون مني أو منا أفعالاً وأقوالاً تساير تخميناتهم. وفي حالة تعارض أفعالنا مع توقعاتهم تجاه الآخر، ندخل في خانة الاتهامات ونكران الجميل، وقد يتمادون إلى أبعد من ذلك ليقولوا فيك إنك ضعيف الشخصية أو شخص أناني، وكأنهم يجيبون بشكل جماعي: “أنت وُجدت لتكون إما مع القطيع أو ننعتك بشخص وضيع”.

Advertisement
Ad Banner

 

*3. بين التكبر والعبودية: دوامة “من أنا”*

وهذا يجعلنا ندور في دوامة: من أنا؟! وهل خُلقت فعلاً لأخدم غيري، أو ليخدمني غيري؟!

إن تبنيتُ الشق الأخير من السؤال بأن على غيري خدمتي، واضعاً نفسي في المركز، وأن الكل في خدمة الفرد أي “الأنا”، فقد أقع في خانة المتكبر، وهي خانة بالإجماع غير محمودة ونتائجها لا تُحمد عقباها. وإن رجحتُ الكفة للرأي الآخر بمعنى: يجب عليّ خدمة غيري، فقد أقع هنا في خانة العبودية، وهي أيضاً من الأفعال غير المحمودة، لكون القيام بطلبات أو أفعال دون دراسة عواقبها وانعكاساتها على المجتمع يجعل تلك الأفعال إيجابية لشخص معين وسلبية لآخر، وفي نفس الوقت أكون غير قادر على الرفض لأن من واجبي خدمة ذلك الغير. هنا أصبح مباشرة رقيقاً، وغيري يستعبدني دون أن يبالي بأخلاقي وقيمي ومبادئي ومكانتي داخل المجتمع، مستغلاً ضعفي وخوفي من رفض الطلبات.

 

*4. سؤال الكيان: حلقة أم كيان مستقل؟*

إذن في أي خانة سأستنشق حريتي وأجد كياني، وفي الوقت نفسه لا أقع فيما هو غير محمود، ولا أكون سبباً في تعاسة شخص آخر؟ وهل حقاً أن المجتمع سلسلة وأنا حلقة من حلقاته؟! وإذا انفصلتُ عن هذه السلسلة هل سيتأثر المجتمع بأسره مخلفاً من ورائي عدة ضحايا؟ وإذا كان المجتمع رهيناً بي كحلقة داخل السلسلة، فهل أنا كيان مستقل أم كيان مشترك مع الآخر؟! وهل إذا استقل كياني يسهلَ عليّ إيجاد جواب “من أنا”؟ أم أن غيري هو من سيعطيني جواباً لأنه هو من “يراني”؟ وإذا كنت حلقة داخل سلسلة، فكيف أحدد دوري وموقعي ومكانتي داخل السلسلة لأعرف من أنا؟

 

*5. البوصلة: حدود الله*

*ولكن كل ما أعرفه هو أنني عبدٌ لله، وقد وضع لي حدوداً لا يجب أن أقترب منها.* قال تعالى:

*﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾* [البقرة: 187]

 

Advertisement
Ad Banner

وغير ذلك مباح. وكل مباحٍ قمت به يحدد مكانتي داخل السلسلة، وأن حلقتي غير ثابتة بل تتحرك مع نوع أفعالي، هذا إن اعتبرتُ وجودي ككيان داخل المجتمع. وإن اعتبرتُ وجودي متفرداً، فإن أفعالي ما دامت بعيدة عن حدود الله فهي بعيدة عن خانة “غير المحمود” رغم عدم تقبل الآخر لتلك الأفعال، وأبقى بذلك غير مسؤول عن تعاسة أو فشل أي شخص كان وتحت أي ظرف.

 

*خاتمة: سفينة لها بوصلة*

إن الجواب على “من أنا” لن يمنحه لي الغير مهما ادعى أنه يراني. الجواب أصنعه أنا يومياً، في المسافة الدقيقة بين حريتي ومسؤوليتي.

فالمجتمع ليس سجناً يحبسني، ولا قطيعاً أذوب فيه. المجتمع بحر، وأنا لست حلقة فيه… *أنا سفينة*.

والبوصلة التي تمنعني من الغرق أو الاصطدام هي: *حدود الله*.

فطالما أنا داخل هذه الحدود، فلي كامل الحق أن أبحر، أن أختار، أن أكون. *وأما* على مستوى الحرية؛ فالحرية الحقيقية تبدأ من فهم الإنسان لحدوده ومسؤولياته داخل إطار القيم والدين.

 

ذ . ياسين بركي

Continue Reading
Advertisement Ad Banner
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *