أخبار
«جنان الوسطي» بين فلسفة أرسطو ورؤية ابن رشد: من حكاية الذات إلى أفق الإنسان
بقلم الناقد والأديب : حميد بركي .
المغرب
إن مقاربة كتاب «جنان الوسطي» للكاتبة القديرة بشرى مقطوف في ضوء الفكر الأرسطي والتأويل الرشدي تتيح لنا الانتقال من القراءة التي تستظهر أحداث السيرة إلى قراءة تستنطق بنيتها الفنية، وتكشف عن أبعادها الفكرية والجمالية، فالنص السردي، حين يستعيد الماضي، لا يكتفي بإعادة ترتيب وقائعه، فهو يعيد بناء التجربة في ضوء وعي جديد، يجعل من الذاكرة أداة للفهم، ومن الحكاية سبيلًا إلى اكتشاف الإنسان.
لقد أدرك أرسطو، في كتابه «فن الشعر»، أن جوهر العمل الفني يتصل ببناء الأفعال وترابط الأحداث، وأن قيمة الحكاية تنشأ من الطريقة التي تنتظم بها مكوناتها داخل وحدة تمنحها دلالتها، ومن هذا المنظور، يمكن قراءة مشاهد المطار والغربة والعودة واستحضار الأطلال في «جنان الوسطي» بوصفها حلقات تتجاوز تعاقب الوقائع إلى تشكيل مسار إنساني تتفاعل فيه الذاكرة مع الزمن، والحنين مع التساؤل، والتجربة مع محاولة فهمها.
فالمطار، في هذا السياق، فضاء للعبور المكاني، وعتبة لتحول داخلي يستعيد الإنسان عندها صورته وهو يغادر مرحلة من حياته إلى مرحلة أخرى، والغربة تجربة تختبر علاقة الذات بالمكان، والعودة مناسبة لإعادة النظر في معنى الانتماء، أما الأطلال، فتستمد دلالتها من المفارقة بين ما كان وما آل إليه الحال، فتوقظ السؤال عن التحولات التي تصيب الإنسان والأمكنة، وعن الأسباب التي تصنع الفارق بين الماضي والحاضر.
وهنا تبرز أهمية البناء السردي؛ إذ تتجاوز التفاصيل قيمتها الإخبارية لتؤدي وظيفة في تشكيل الرؤية العامة للعمل، فالحدث يكتسب معناه من موقعه في التجربة، والمشهد يستمد قوته من علاقته بما يسبقه وما يليه، والذاكرة تصبح خيطًا يصل بين الأزمنة المتباعدة، ويمنح الحكاية وحدتها الشعورية والفكرية.
أما ابن رشد، في تلخيصه لكتاب أرسطو في الشعر، فيمنحنا مدخلًا آخر لفهم العلاقة بين القول والتخييل والمحاكاة، فاللغة الأدبية لا تستمد فاعليتها من نقل الوقائع وحدها، وإنما من قدرتها على تشكيل صور ذهنية تستثير وجدان القارئ وتدفعه إلى تأمل ما وراء الظاهر. ومن ثم، فإن القيمة الجمالية في «جنان الوسطي» تُلتمس في الكيفية التي تتحول بها الأمكنة والأحداث والذكريات إلى علامات تحمل دلالات أوسع من حدودها المباشرة.
وعندما تستحضر الكاتبة الأطلال، فإنها تفتح أمام القارئ مجالًا للمقارنة بين زمنين؛ وعندما تستعيد مشاهد الغربة والعودة، فإنها تتيح له تأمل المسافة بين المكان الذي يغادره الإنسان والمكان الذي يعود إليه، وبين ما كان يتصوره عن حياته وما تكشفه له التجربة بعد مرور الزمن، وهكذا تتولد الدلالة من التفاعل بين الواقعة وصورتها في الذاكرة، وبين ما ترويه اللغة وما توقظه في النفس من أسئلة.
وتتجلى أهمية هذا المنظور أيضًا في حضور الشخصيات التي تحمل شيئًا من ذاكرة الماضي، وفي مقدمتها الخالة «للارحمة»، التي يمكن النظر إلى حضورها بوصفه عنصرًا ذا قيمة سردية ومعرفية، ما دام النص يربطها بإمكان استجلاء جوانب من الحقيقة. فالشخصية هنا لا تؤدي وظيفة الحضور في الحكاية فحسب، ويمكن أن تصبح جسرًا بين ما عايشه الإنسان وما يسعى إلى معرفته، وبين الرواية الشخصية والذاكرة التي تتجاوز الفرد إلى محيطه الاجتماعي.
ومن زاوية فلسفية، تضعنا هذه التجربة أمام سؤال عميق: هل يعود الإنسان إلى الماضي ليستعيد ما فقده، أم ليعيد فهم ما عاشه؟ إن استعادة الماضي في السرد تتيح للوعي أن ينظر إلى التجربة من مسافة زمنية لم تكن متاحة لحظة وقوعها؛ فقد تتضح دلالة موقف بعد سنوات، وقد تتحول ذكرى عابرة إلى مفتاح لفهم مرحلة كاملة، وقد يصبح السؤال الذي ظل معلقًا في الماضي مدخلًا إلى معرفة جديدة في الحاضر.
ومن هنا، تتقاطع القراءة الأرسطية التي تعنى ببناء الأحداث مع الرؤية الرشدية التي تتيح فهم وظيفة التخييل، في إطار نقدي يجمع بين بنية النص وأثره، وبين جماليته ودلالته، فلا تُختزل قيمة «جنان الوسطي» في الوقائع التي تستعيدها الكاتبة، وإنما تتصل كذلك بالطريقة التي تنتظم بها هذه الوقائع، وبما تمنحه اللغة من قدرة على تحويل التجربة الخاصة إلى سؤال إنساني مشترك.
إن الرهان النقدي الأعمق في قراءة «جنان الوسطي» هو الكشف عن المسافة الفاصلة بين الحياة حين تُعاش والحياة حين تُروى. ففي الأولى تتعاقب الأحداث تحت ضغط اللحظة، أما في الثانية فتعود الذاكرة لتمنحها ترتيبًا ودلالة، ويصبح السرد وسيلة لمساءلة الزمن، وفهم التحولات، والاقتراب من حقيقة الذات، وعند هذه النقطة تكتسب السيرة بعدها الأدبي والفلسفي، لأنها تتحول من استعادة لما مضى إلى معرفة بما تركه الماضي في الإنسان.
وهكذا، فإن استحضار أرسطو وابن رشد في قراءة هذا الكتاب يمنحنا أدوات لفهم العلاقة بين الحدث والبناء، وبين اللغة والتخييل، وبين التجربة الفردية وأفقها الإنساني، وتظل خصوصية «جنان الوسطي» مرتبطة بصوت كاتبتها وتجربتها وطريقتها في تشكيل عالمها السردي؛ فالفلسفة هنا أداة للإضاءة والفهم، والنقد حوار مع النص، غايته الكشف عن جمالياته وطاقاته الفكرية، مع إبقاء التجربة الأدبية في مركز القراءة.
وبهذا يحق لمدينة الخميسات الافتخار والاعتزاز بوردة أينعت من حديقتها لتزهر على الصعيد العالم العربي
بقلم الناقد والأديب: حميد بركي
المغرب