أخبار

نحن نسكن كلماتنا

Published

on

 

بقلم الأستاذة فاطمة بوفوطا

 

هل توقفت يوماً لتتأمل حقيقة أننا لا نكتفي بإنتاج اللغة، بل إننا نسكنها؟ إن الكلمات ليست مجرد أدوات تواصل عابرة، أو رموزاً صوتية لتفريغ الفكر، بل هي بناء وجودي وملاجئ نفسية نختار تشييدها لنقسّم من خلالها مساحات وعينا، ونحدد اتجاهات رؤيتنا لأنفسنا وللعالم. وحين نعيد هندسة لغتنا الداخلية، فإننا لا نغير أسلوب التعبير فحسب، بل نعيد ترميم جغرافية أرواحنا.

 

من منظور علم النفس المعرفي واللسانيات النفسية، تمثل الكلمات الفضاء الذي نتنفس داخله؛ فالألفاظ التي نرددها باستمرار تتحول إلى معالم جغرافية ثابتة في خارطة الدماغ، تتشكّل بناءً عليها استجاباتنا الانفعالية، ومواقفنا الدفاعية، وحتى قدرتنا على الصمود أمام تحديات الحياة

حين ننطق بكلمة معينة أو نرددها في صمتنا الداخلي، لا يحدث ذلك بمعزل عن البنية العصبية للدماغ. تشير أبحاث اللسانيات العصبية Neuro-linguisticsإلى أن مسارات التفكير تتشكل كشبكات عصبية (Neural Networks) تتوطد بالاستخدام وتتآكل بالإهمال.

 

الاستيطان الدلالي:عندما نكرر مفردات محملة بالثقل السلبي (مثل العجز، العبء، الانكسار)، فإننا نبني بيئة داخلية خانقة ومظلمة، أشبه بغرفة ضيقة مغلقة النوافذ. في المقابل، فإن اختيار مفردات المعنى، والتمكين، والجهد الواعي (مثل: السكينة، السعي، التحقق، المروءة) يشيد فضاءً رحباً، مشمساً وقابلاً للحياة.

يؤكد علم النفس المعرفي أن الإنسان لا يكتفي بإدراك واقعه الخارجي، بل يبنيه باللغة. فاللغة هي العدسة التي نرى من خلالها تفاصيل حياتنا؛ والكلمات هي الإطارات التي نؤطر بها تجاربنا، فتحول المحنة إلى فرصة، أو العثرة إلى حائط سد.

حين نأوي إلى كلماتنا، فإننا نحتمي بها من صخب العالم الخارجي ومن هشاشة الذات. وتتجسد هذه العلاقة في مستويين أساسيين:

 

Advertisement

حين يفتقر الإنسان إلى الوجهة أو يواجه تقلبات الحياة، يلجأ أحياناً إلى لغة الشكوى والارتجال العاطفي، وهي لغة تشبه العراء النفسي. في المقابل، فإن التأسيس المعرفي للقيم والأخلاق والالتزام بـ “طعم الجهد” (*Le goût de l’effort*) يمنح النفس درعاً متيناً. إن الإنسان الذي يتقن انتقاء ألفاظه يتأمل ذاته بموضوعية ورحمة، مستغنياً عن التسول العاطفي أو البحث عن المصادقة الخارجية.

مثلما تحتاج النبتة إلى تربة وماء، تحتاج النفس البشرية إلى حقل دلالي خصب تنمو فيه وتتسع لتصل عنان السماء…

مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها تابث وفرعها في السماء…

الكلمة قوة تسمو بالانسان حين تعبر عن الحق والحقيقة والجمال…

فاطمة بوفوطا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version