أخبار

عيد الوحدة تضامن ووحدة

Published

on

بقلم الأستاذة للا ايمان الشباني

 

لحظة للتأمل في قيمة الوطن، وفي ما يجمع أبناءه من تاريخ مشترك وذاكرة جماعية وآمال تتطلع إلى المستقبل، فالوحدة وعي متجدد بأن قوة الأوطان تنبع من تماسك مجتمعاتها، ومن قدرة أبنائها على تجاوز الاختلافات، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة، وهي لا تعني إلغاء الاختلاف، ولا مصادرة حق الإنسان في التعبير عن رأيه، فهي تعني أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف نتحاور دون أن نتبادل الإقصاء، وكيف نجعل من التنوع الثقافي والفكري والاجتماعي مصدر غنى وإبداع، لا سببًا للانقسام والتنافر. فالأوطان لا تُبنى بتشابه أبنائها في الأفكار والمواقف، فبتكامل جهودهم، واحترام كرامتهم، وإيمانهم بأن مستقبلهم المشترك أكبر من خلافاتهم العابرة.

وإذا كانت الوحدة تجمعنا تحت سقف الوطن، فإن العدالة هي التي تمنح هذا الاجتماع معناه، والكرامة هي التي تحفظ للإنسان مكانته، والعلم هو الذي يفتح أمام الأجيال أبواب التقدم، والعمل هو الذي يحوّل الأحلام إلى منجزات. فلا يمكن أن تكون متينة ما لم يشعر المواطن بأن له قيمة في مجتمعه، وأن حقوقه مصونة، وأن واجباته تقابلها مسؤولية حقيقية في تدبير الشأن العام، وأن الفرص لا تُحتكر لفئة دون أخرى، فقد تُتاح لكل من يمتلك الإرادة والكفاءة والاستعداد للعطاء، وعندها يعتبر الاحتفاء بعيد الوحدة ما ينبغي أن يكون مناسبة لتجديد العهد مع الإنسان، باعتباره الغاية من كل مشروع وطني، والركيزة الأساسية لكل نهضة حضارية. فالإنسان الذي يشعر بالانتماء هو الذي يساهم في البناء، والذي يجد في وطنه فضاءً للإنصاف والأمل هو الأقدر على الدفاع عن مكتسباته، والمشاركة في تطوير مؤسساته، ونقل قيم المواطنة إلى الأجيال القادمة.

ومن هذا المنطلق، فإن مسؤولية الوحدة لا تقع على عاتق الدولة وحدها، ولا على المؤسسات وحدها، فهي مسؤولية مشتركة تتقاسمها الأسرة والمدرسة والجامعة والمجتمع المدني والمثقفون والإعلاميون وسائر المواطنين. فكل كلمة مسؤولة تساهم في التقارب، وكل مبادرة تنشر المعرفة، وكل سلوك يحفظ كرامة الإنسان، وكل موقف يرفض التعصب والكراهية، إنما هو لبنة في بناء الوحدة وترسيخ أسسها.

 

ولعل أهم ما ينبغي أن نستحضره في هذه المناسبة أنها بداية لمسار متواصل من الإصلاح والتضامن والتكامل. فالأوطان التي تريد أن تصون وحدتها مطالبة بأن تجعل من الحوار ثقافة، ومن الاختلاف فرصة للتفكير، ومن العدالة أساسًا للاستقرار، ومن المعرفة وسيلة لتحرير العقول من الجهل والأحكام المسبقة.

 

إننا نريد وحدةً تسكن الضمائر والسلوك؛ وحدةً تحمي كرامة الإنسان، وتفتح أمام الشباب آفاق المستقبل، وتمنح الفئات الهشة حقها في الاهتمام والرعاية، وتُعلي من شأن المرأة والطفل والعالم والمثقف والعامل، وتؤمن بأن الوطن يتسع لجميع أبنائه، وأن المواطنة الحقة لا تُقاس بما نردده من شعارات، فهي بما نقدمه من عمل، وما نتحلى به من نزاهة، وما نُظهره من احترام متبادل.

 

فإن عيد الوحدة دعوة إلى أن نراجع علاقتنا ببعضنا، وأن نعيد الاعتبار للقيم التي تجعل من المجتمع جسدًا متماسكًا، تتعاون مكوناته في مواجهة التحديات، وتتكامل طاقاته من أجل التنمية والازدهار. فالوحدة التي نطمح إليها ليست وحدة الأجساد في المكان فحسب، وإنما وحدة الوعي والضمير والهدف؛ وحدةٌ تجعل من الإنسان قيمةً لا وسيلة، ومن الوطن مسؤوليةً لا امتيازًا، ومن المستقبل أمانةً نحملها جميعًا.

 

Advertisement

وما أحوجنا اليوم إلى أن نجعل من عيد الوحدة مناسبةً للانتقال من الاحتفاء بالوحدة إلى ممارسة الوحدة، ومن التغني بالانتماء إلى تجسيده في السلوك، ومن الحديث عن الوطن إلى الإسهام في بنائه؛ لأن الوطن الذي تتحد فيه الإرادات، وتتآلف فيه القلوب، وتتكامل فيه العقول، يكون أقدر على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل يليق بكرامة الإنسان وتطلعات الأجيال.

 

 

للاايمان الشباني

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version