أخبار

صيحات مشاعر… حين تتكلم الذات بلسان الشعر وتبوح بالألوان

Published

on

 

قراءة في ديوان الشاعرة والفنانة التشكيلية لطيفة النبراس

 

بقلم : الأديب والناقد حميد بركي

 

 

حين تنبثق الكلمة من أعماق الذات، لا تعود مجرد صوت يُسمع، أو لفظ يُقرأ، أو معنى يُستدعى من معاجم اللغة، وقد تصبح ومضةً تكشف المستور، وإشارةً تستنطق المجهول، ودهشةً تتجاوز حدود العبارة إلى رحابة الإحساس. فليس البيان دائمًا ما يقدّم الدليل، ولا الشعر ما يكتفي بتقرير الحدث؛ إذ قد يكون أعمق البيان ما تومئ إليه العبارة ولا تصرّح به، وأبلغ القول ما تتركه الكناية في النفس من أثر، وما تفتحه الاستعارة أمام الخيال من أفق، حيث تتعانق الدلالة والإيحاء، ويتجاور البوح والصمت، تولد حدسية الشعر، وتنبثق دهشة الإبداع، ويتحوّل الشعور من تجربة فردية إلى سؤال إنساني مفتوح على الوجود.

من هذا الأفق التأملي نقترب من ديوان «صيحات مشاعر» للشاعرة والفنانة التشكيلية لطيفة النبراس، وهو عمل تتجاور فيه الكلمة والصورة، ويتداخل فيه الشعر والتشكيل، لتغدو الصفحات فضاءً مزدوج التعبير، تتكلم فيه الحروف بلسان الشعور، وتبوح فيه الألوان بما قد تعجز العبارة عن الإفصاح عنه، إننا بإزاء تجربة لا تقف عند حدود الكتابة الشعرية وحدها، ولا تكتفي بجمال الصورة التشكيلية في استقلالها، فهي تسعى إلى إقامة حوار بين فنين، لكل منهما لغته، ولكليهما قدرة على استثارة الوجدان وإيقاظ السؤال.

ولعل عنوان الديوان، «صيحات مشاعر»، يحمل منذ البداية مفتاحًا من مفاتيح قراءته؛ فالصيحة اندفاع داخلي يبلغ من الشدة مبلغًا لا يعود معه الصمت كافيًا، والمشاعر قوى متحركة تتنازعها الرغبة والقلق، والأمل والانكسار، والحضور والغياب، وحين تجتمع الصيحة بالمشاعر، يصبح العنوان إيذانًا بانتقال الذات من ضيق الكتمان إلى سعة التعبير، ومن خفاء الإحساس إلى علانية البوح. إنها صيحات لا يشترط أن ترتفع فيها الأصوات، فقد تكون الصيحة كلمة، وقد تكون صورة، وقد تكون لونًا يتوارى خلف لون، أو خطًّا يبحث عن طريقه بين الانحناء والانكسار.

 

الذات بين وهج الحياة وعتامة الوجود:

تتجلى إحدى أبرز ملامح التجربة الشعرية في قصيدة «وهج الذات»، حيث تقول الشاعرة:

Advertisement

 

«وهج ذواتنا يسري، ونحن أحياء بلا حياة

لماذا الملل والكآبة؟

الكون والذات في جدل

سقم يسيل بالدموع،

إحساس يهيمن على الانكسار،

وخالق الكون بعدل».

 

منذ العبارة الأولى، نواجه مفارقة دلالية تستوقف القارئ: «أحياء بلا حياة». فكيف يجتمع الحضور الجسدي مع غياب الإحساس بالحياة؟ وكيف يكون الإنسان حيًّا في ظاهره، فيما تنطفئ في داخله جذوة المعنى؟ إن الشاعرة تلمّح إلى حياة أخرى قوامها الطمأنينة، والغاية، والقدرة على التفاعل مع العالم، فقد يمشي المرء بين الناس، ويشاركهم تفاصيل يومهم، غير أن شيئًا في أعماقه يظلّ معلقًا بين الرغبة في الانطلاق والعجز عن بلوغ المبتغى.

وتزداد المفارقة عمقًا حين تضع الشاعرة هذا الخفوت الداخلي في مقابل «وهج» الذات. فالوهج، بما يحمله من دلالات الضوء والحرارة والتوهج، يوحي بوجود طاقة كامنة لم تنطفئ تمامًا، وإن أحاطت بها ظلال الملل والكآبة، وكأن الذات، على الرغم مما تعانيه من فتور وانكسار، ما تزال تحتفظ بشرارة تنتظر ما يوقظها، وبنور يطلب منفذًا إلى فضاء الحياة،

وتبرز قيمة المفارقة الشعرية؛ إذ لا تجعل الشاعرة الظلمة نقيضًا نهائيًّا للنور، وهي تضعهما في علاقة توتر، بحيث يصبح الوهج دليلًا على أن الانطفاء ليس كاملًا، وأن وراء السكون حركة، ووراء الانكسار توقًا إلى النهوض، ولعل هذا التوتر هو ما يمنح عنوان القصيدة دلالته؛ فالذات فضاء تتصارع فيه قوى متعارضة، وتتناوب عليه حالات الإشراق والإظلام.

ثم يأتي السؤال: «لماذا الملل والكآبة؟» ليخرج بالنص من دائرة الوصف إلى مجال المساءلة. فهي لا تكتفي بأن تسجل ما يعتمل في النفس، وهي تبحث عن أسبابه، وتضع الإحساس أمام مرآة التفكير. والسؤال هنا ليس طلبًا لجواب مباشر بقدر ما هو تعبير عن الحيرة، ومحاولة لاكتشاف العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين ما يتمناه المرء وما يواجهه من واقع.

Advertisement

وتنتقل التجربة إلى عبارة «الكون والذات في جدل»، وهي عبارة تفتح النص على أفق فلسفي يتجاوز حدود التجربة الفردية. فالذات تنمو أسئلتها في احتكاك دائم بما يحيط بها من أحداث وتحولات، وبين العالم الخارجي والعالم الداخلي تنشأ علاقة أخذ ورد، يتأثر فيها الإنسان بما يقع حوله، ويعيد في الوقت نفسه تأويل الواقع انطلاقًا من مشاعره ومعتقداته وتجاربه.

إن الجدل بين الكون والذات هو، في جوهره، جدل بين ما نعيشه وما نفهمه، وبين ما نراه وما نشعر به، وبين حقائق الواقع وتأويلات النفس، وقد يكون العالم في ظاهره مستقرًّا، بينما تضطرب الذات في أعماقها؛ وقد يبدو الواقع قاسيًا، بينما تستمد النفس من إيمانها قدرة على احتماله. وفي هذه المسافة بين الظاهر والباطن تتولد الأسئلة التي تمنح الشعر قيمته الفكرية، فلا يبقى مجرد نقل للعاطفة، فقد يصبح محاولة لفهم الإنسان في علاقته بنفسه وبالوجود.

وحين تقول الشاعرة: «سقم يسيل بالدموع»، فإنها تنقل الألم من مستوى التجريد إلى مستوى الصورة المحسوسة، فالسقم في أصله حالة تستقر في الجسد أو النفس، أما سيلانه بالدموع فيمنحه حركة مرئية، وكأن الوجع قد ذاب حتى صار ماءً ينساب من العين. إنها صورة تقوم على تجسيد المعنى، فتجعل الحزن شيئًا يمكن تخيله في حركته وانسيابه، وتحوّل الدموع من علامة على التأثر إلى لغة أخرى للبوح.

ثم يأتي «إحساس يهيمن على الانكسار»، لتتواصل حركة الذات بين الشعور وما يتركه من أثر. فالانكسار قد يتحول إلى حالة نفسية تفرض حضورها على التفكير والنظر إلى العالم، غير أن الإحساس، على ما فيه من ثقل، يظل دليلًا على أن الذات لم تفقد قدرتها على التفاعل؛ فالإنسان الذي يشعر بالألم لم يتحول بعد إلى فراغ، والذي يعي انكساره يستطيع أن يجعل من وعيه بدايةً لتجاوزه.

وتختتم الشاعرة هذا المقطع بقولها: «وخالق الكون بعدل»، فتفتح نافذة على المرجعية الإيمانية التي تستند إليها في مواجهة الحيرة، وبعد أن تتنقل بين الذات والكون، وبين السقم والدموع، تستحضر عدل الخالق باعتباره أفقًا روحيًّا يردّ التجربة إلى معنى أوسع من حدود الألم المباشر. ويلتقي السؤال الوجودي باليقين الإيماني، ويجاور القلقُ التسليمَ، من غير أن يعني ذلك بالضرورة اختفاء الأسئلة، فقد يكون الإيمان هو المجال الذي تتسع فيه قدرة الإنسان على احتمالها.

إن قصيدة «وهج الذات» تضع القارئ أمام نفس تتأمل أحوالها، وتبحث عن تفسير لما يعتريها، وتوازن بين ثقل التجربة وإمكان الاستناد إلى اليقين، ومن هذا التوتر تستمد القصيدة مادتها، وتكشف عن رغبة في فهم الذات لا في الاكتفاء بوصفها.

 

سجن الذات… حين يتحول الحفر إلى بحث عن الصوت

وفي قصيدة «سجن الذات»، تتابع الشاعرة رحلتها في الداخل، غير أن النبرة هنا تتجه من رصد الحالة إلى محاولة اختراقها، ومن مساءلة الوجع إلى البحث عن منفذ منه. تقول في مطلعها:

 

«سأظل أحفر في الذات.

كي أستمد صوتي لكل الأنفاس.

Advertisement

في كل مرتفع، ومنحدر، ومنعطف،

أيها الإنسان كفاك انشغال،

فالأرض تصرخ باحتراق،

تناجي خالقها للاستنجاد،

ضحى، وزوال، ومساء

يتغير الحال، من حال إلى حال».

 

تستوقفنا بداية القصيدة بفعل «أحفر»، وهو فعل يحمل في دلالته معنى البحث المضني، والتنقيب عن شيء مستتر، وإزالة طبقات تحول دون الوصول إلى الحقيقة. فالشاعرة لا تقول إنها ستنظر في الذات أو تتأملها فحسب، وهي تختار الحفر، بما يقتضيه من صبر ومشقة ومواصلة، وكأن النفس أرض مطمورة، لا تكشف أسرارها لمن يكتفي بالنظر إلى سطحها، وهي تحتاج إلى من ينفذ إلى أعماقها، ويصبر على ما يعترضه من عوائق.

والحفر في الذات محاولة لاسترداد القدرة على التعبير، واكتشاف ما يختبئ وراء الصمت من أفكار وانفعالات، فالإنسان قد يمتلك الكلمات، لكنه لا يمتلك دائمًا صوته الحقيقي؛ وقد يتحدث طويلًا، من غير أن يعبر عن حقيقة ما يشعر به. ولذلك يبدو استمداد الصوت في هذا السياق أشبه باستعادة الهوية الداخلية، والبحث عن نبرة تخص الذات، فلا تكون صدى لأصوات الآخرين، ولا ترديدًا لما يفرضه المحيط من تصورات جاهزة.

أما قولها «لكل الأنفاس»، فيوسّع مجال هذا البحث؛ إذ لا يبدو الصوت حبيس تجربة فردية ضيقة، وقد يتطلع إلى ملامسة أنفاس متعددة، وإلى التواصل مع الإنسان في تنوع أحواله، وهنا تتجاوز الذات حدود الانغلاق على نفسها، لتبحث عن صلة بينها وبين الآخرين، وكأن اكتشاف الصوت الخاص لا يكتمل إلا حين يصبح قادرًا على مخاطبة أصوات الحياة من حوله.

وتأتي عبارة «في كل مرتفع، ومنحدر، ومنعطف» لتمنح الرحلة بعدًا حركيًّا. فالطريق ليس مستقيمًا، والحياة لا تسير على وتيرة واحدة؛ فيها العلو والهبوط، وفيها الانفراج والضيق، وفيها المنعطف الذي يغير اتجاه المسير. وهذه المفردات، بما تحمله من إيحاءات مكانية، يمكن أن تُقرأ كذلك بوصفها صورًا لحالات الإنسان النفسية والاجتماعية. فالمرتفع قد يرمز إلى لحظات القوة، والمنحدر إلى مواطن الضعف، والمنعطف إلى التحولات التي تعيد تشكيل الرؤية والموقف.

وبذلك يصبح الحفر في الذات رحلة لا تعرف طريقًا واحدًا، ولا تستقر عند محطة أخيرة، لأن معرفة النفس تتجدد كلما تغيرت التجربة وتبدلت الأحوال. حيث تكتسب عبارة «سأظل» أهميتها؛ فهي تفيد الاستمرار، وتجعل الحفر مشروعًا مفتوحًا لا يتوقف عند أول عائق.

Advertisement

غير أن القصيدة لا تظل أسيرة الداخل، ولا تجعل التأمل الذاتي غاية منفصلة عن العالم. فما إن تتحدث عن الذات وصوتها حتى تنتقل إلى نداء الإنسان: «أيها الإنسان كفاك انشغال». وهنا يتحول الخطاب من ضمير المتكلم إلى خطاب مباشر، فيخرج النص من حيز الاعتراف الفردي إلى مجال التنبيه العام.

إن هذا الانتقال يفتح بابًا للتأويل؛ فالشاعرة، التي بدأت بالحفر في الذات، تدعو الإنسان إلى الانتباه لما يجري حوله، وكأنها تريد أن تقول إن الانشغال بالنفس، مهما كانت ضرورته، لا ينبغي أن يحجب عنا قضايا العالم، ولا أن يجعلنا أسرى همومنا الخاصة في الوقت الذي تتعرض فيه الحياة لما يهددها.

ثم تتخذ الصورة منحًى أكثر اتساعًا حين تقول: «فالأرض تصرخ باحتراق». هنا الأرض تصبح كائنًا يتألم ويصرخ. وقد استعارت لها فعل الصراخ، وهو فعل إنساني في أصله، لتجعل الطبيعة طرفًا في التجربة الشعورية، وتمنح ما يصيبها من أذى هيئةً تستثير الوجدان.

إنها صورة تفتح النص على القلق البيئي والإنساني؛ فاحتراق الأرض قد يستحضر ما يهدد الطبيعة من تلوث وخراب واستنزاف، كما قد يرمز إلى عالم تتكاثر فيه أسباب الألم والصراع، و المهم أن نلاحظ قدرتها على جمع دلالات متعددة تحت مظلة واحدة، هي دلالة العالم الذي يئن ويطلب النجدة.

وتبلغ الصورة ذروتها حين تصبح الأرض مناجيةً لخالقها، مستنجدةً به. ففي هذه العبارة تتداخل الطبيعة بالدين، ويتحول الوجع الكوني إلى نداء روحي، كأن الشاعرة تستحضر علاقة الإنسان بالأرض من جهة، وعلاقة المخلوقات بخالقها من جهة أخرى. وبهذا تكتسب الصورة بعدًا يتجاوز المشهد الطبيعي إلى التأمل في مسؤولية الإنسان عن العالم الذي يعيش فيه.

أما الانتقال إلى «ضحى، وزوال، ومساء»، فيستحضر تعاقب الزمن في إيقاع يومي مألوف، لكنه لا يخلو من دلالة رمزية، فالأوقات تتوالى، والأحوال تتغير، والإنسان يجد نفسه في حركة لا تتوقف. ويأتي القول: «يتغير الحال، من حال إلى حال» ليؤكد أن الثبات المطلق وهم، وأن الحياة سلسلة من التحولات التي لا تستأذن أحدًا قبل أن تقع، ومع ذلك، فإن تغير الحال لا يعني دائمًا الانتقال من الأسوأ إلى الأفضل، أو من الضيق إلى الفرج؛ فقد تتعاقب الأحوال في اتجاهات متباينة، لكن وعي الإنسان بهذا التغير يفتح أمامه إمكان المراجعة والتكيف وإعادة النظر، فالحال الذي يثقل النفس اليوم ليس بالضرورة حالها غدًا، وما يبدو نهايةً قد يكون بدايةً لمسار آخر.

وتتجلى الصلة بين «سجن الذات» و«وهج الذات». ففي القصيدة الأولى يبرز الشعور بالانكسار والكآبة، وفي الثانية تتضح إرادة الحفر والبحث عن الصوت. وكأن التجربتين وجهان لرحلة واحدة: رحلة تبدأ بالإحساس بالضيق، ثم تحاول اكتشاف أسبابه، وتبحث عن طريق يتجاوز به الإنسان انغلاقه، ويستعيد صلته بذاته وبالعالم.

ولعل اختيار مفردة «السجن» في العنوان يحمل دلالة تتجاوز الحبس المادي؛ فالذات قد تسجنها مخاوفها، وقد تقيدها ذكرياتها، وقد تحاصرها الأسئلة التي لا تجد لها جوابًا. وقد يصبح الإنسان، من حيث لا يشعر، سجين نظرته إلى نفسه، يكرر أحكامه القديمة، ويعيد اجترار آلامه، حتى تضيق أمامه المسالك. غير أن فعل الحفر يوحي بأن هذا السجن ليس جدارًا يستحيل تجاوزه، وهو بنية تحتاج إلى الفهم والمساءلة، وإلى إرادة تواصل البحث حتى تعثر على منفذ.

 

صيحة حيرة الذات… الوطن الذي يسكن المشاعر

 

وتتواصل الرحلة في قصيدة «صيحة حيرة الذات»، التي تفتتحها الشاعرة بقولها:

Advertisement

 

«في مشاعري وطن، أسئلتي سفينة

ترسو في الوجدان

سؤال يطاردني».

 

إننا هنا أمام صورة شعرية تتسع فيها الذات حتى تصبح وطنًا، وتتحول الأسئلة إلى سفينة تمخر عباب الشعور. ففي عبارة «في مشاعري وطن» تتخذ هيئة فضاء واسع تتجمع فيه الذاكرة والانتماء والحنين والمواقف. والوطن، في دلالته العميقة، هو أيضًا ما يستقر في القلب من روابط، وما يسكن الوجدان من معانٍ، وما يمنح الإنسان شعورًا بالانتماء إلى شيء يتجاوزه.

وحين تجعل الوطن في مشاعرها، فإنها تنقل الجغرافيا من الخارج إلى الداخل، وتحوّل المكان إلى تجربة وجدانية. فكأن الذات تحمل وطنها معها، لا بوصفه صورة ثابتة، وهي باعتباره مجموع ما عاشت وما أحبت وما تألمت من أجله. ويكتسب التعبير طابعه الإيحائي، لأن الوطن لا يُعرَّف تعريفًا مباشرًا، وإنما يُستحضر من خلال أثره في النفس.

 

أما الأسئلة، فتتحول إلى سفينة. وهذه الاستعارة تنقل التفكير من حالة السكون إلى الحركة، ومن مجرد التأمل إلى رحلة في المجهول. فالسفينة تدخل البحر، وتواجه أمواجه، وتخضع لرياحه، وتبحث عن مرساة تحميها من التيه. وكذلك الأسئلة، حين تستبد بالإنسان، تقوده إلى مسالك متعددة، وتجعله يتنقل بين الاحتمالات، باحثًا عن معنى يطمئن إليه أو حقيقة يستند إليها.

لكن السفينة، في هذا المقطع، «ترسو في الوجدان». وهنا تبرز مفارقة جميلة بين الحركة والسكون؛ فالأسئلة تسافر، غير أن رحلتها تنتهي إلى الداخل، وكأن الشاعرة تشير إلى أن بعض الأجوبة تحتاج أيضًا إلى إصغاء عميق لما يختزنه الوجدان من خبرة وحدس وذاكرة، ومع ذلك، لا تنتهي الحيرة، لأن السؤال، كما تقول «يطاردني». فالأسئلة قد تتحول إلى حضور دائم يلاحقه في يقظته، ويزاحمه في سكونه، ويعيده إلى ما ظن أنه تجاوزه، حيث يتشكل البعد النفسي للقصيدة؛ إذ الحيرة تصبح تجربة معيشة، لها أثرها في الوجدان وفي علاقة الذات بذاتها،

ولعل قيمة هذا المقطع تكمن باعتبارها علامة على وعي لا يكتفي بالظاهر، ولا يطمئن إلى الأجوبة الجاهزة. فالإنسان الذي يسأل هو إنسان يشعر بأن وراء المشهد معنى يستحق البحث، وأن وراء ما يبدو مكتملًا فجوات تحتاج إلى الفهم. غير أن السؤال قد يتحول، إذا استبد بصاحبه، إلى عبء يثقل الروح؛ ولذلك تظل الذات في حاجة إلى التوازن بين حقها في التساؤل وحاجتها إلى السكينة.

وتجمع القصائد الثلاث، على اختلاف عناوينها وصورها، خيطًا دلاليًّا واضحًا يتمثل في مركزية الذات بوصفها موضعًا للتجربة ومصدرًا للسؤال. فالذات في «وهج الذات» تعاني المفارقة بين الحياة والانطفاء، وفي «سجن الذات» تحفر بحثًا عن صوتها، وفي «صيحة حيرة الذات» تحمل وطنًا من المشاعر وسفينة من الأسئلة. إنها ذات تتألم، لكنها لا تتوقف عند الألم؛ وتتحير، لكنها لا تتخلى عن البحث؛ وتنغلق أحيانًا، لكنها تسعى إلى استعادة قدرتها على التواصل مع العالم.

Advertisement

وهذا التدرج يمنح العناوين نفسها قيمة في بناء الدلالة. فالوهج يحيل إلى الطاقة الكامنة، والسجن إلى العائق الذي يحد من الحركة، والصيحة إلى لحظة خروج من الصمت. وبذلك يمكن قراءة هذه العناوين بوصفها محطات في تجربة واحدة، تنتقل من الإحساس بالحضور المضطرب، إلى محاولة اختراق الحواجز، ثم إلى إعلان الحيرة بوصفها سؤالًا يستحق الإصغاء.

 

بين الإيقاع الداخلي وتوهج العبارة

 

لا يقتصر النظر في هذه النصوص على مضامينها الفكرية والنفسية، فقد يمتد إلى الطريقة التي تتشكل بها العبارة، وإلى أثر التكرار والتوازي والتضاد في بناء إيقاعها. فالشعر لا يستمد موسيقاه من الوزن والقافية وحدهما، وإن كانا من أهم عناصر البناء في القصيدة يمكن أن تنشأ موسيقاه أيضًا من تردد الألفاظ، وتجاوب التراكيب، وتوالي الصور، وتوزيع الوقفات، وتوتر المعنى بين طرفين متقابلين.

وتقدم عبارة «أحياء بلا حياة» مثالًا واضحًا على الإيقاع الدلالي الذي تولده المفارقة؛ فالكلمتان تنتميان إلى المجال نفسه، لكن اجتماعهما يخلق تصادمًا في المعنى، وهذا التصادم هو مصدر الدهشة. كما أن الانتقال بين «مرتفع، ومنحدر، ومنعطف» يمنح العبارة حركة متدرجة، تتجاوب فيها المفردات من حيث البناء والإيقاع، وتتسع من خلالها صورة الطريق لتشمل تقلبات الحياة.

أما «في مشاعري وطن، أسئلتي سفينة»، فتقوم على التوازي بين تركيبين، لكل منهما صورته الخاصة، لكنهما يلتقيان في التعبير عن عالم داخلي تتسع فيه المشاعر إلى وطن، وتتحرك فيه الأسئلة كسفينة. و لا تنبع الموسيقى من الجرس اللفظي وحده، فمن التوازن بين الصورتين، ومن العلاقة التي يقيمها الخيال بينهما، يكون الايقاع الموسيقي، ومع ذلك، فإن الحديث عن الإيقاع في هذه المقاطع يقتضي التمييز بين الموسيقى الداخلية التي تنشأ من التكرار والتوازي والصورة، وبين التركيب الذي يقوم على انتظام الألفاظ وفق قواعد الايقاع. فالنص قد يكون مشحونًا بالإيحاء، غنيًّا بالتضاد، قويًّا في تأثيره الوجداني، من غير أن يكون موزونًا على بحر خليلي. وهذا التمييز لا ينتقص من قيمة التجربة، فقد يساعد على قراءة كل نص وفق طبيعة بنائه، وتحديد ما يحققه من نجاح على مستوى التعبير والصورة والإيقاع.

كما أن بعض العبارات تميل إلى التصريح المباشر، ولا سيما حين ينتقل الخطاب إلى النداء أو الدعوة أو تقرير الفكرة. وقد تكون المباشرة مناسبة حين يريد النص إيصال موقف واضح، لكنها تصبح أكثر تأثيرًا حين تسندها صورة موحية، أو تتولد منها مفارقة تفتح المعنى على احتمالات متعددة. فالفارق بين القول الذي يقرر والقول الذي يدهش هو قدرة العبارة على جعل القارئ يشارك في اكتشافها.

و تبرز أهمية التوازن بين حرارة الشعور ودقة الصياغة؛ فالشعر يحتاج إلى أن تتضافر التجربة واللغة والصورة في بناء واحد. وقد تكون الفكرة عميقة، لكن العبارة تحتاج إلى مزيد من التكثيف؛ وقد تكون الصورة جميلة، لكن موقعها في النص يحتاج إلى إحكام؛ وقد يكون الشعور صادقًا، لكن التعبير عنه يصبح أشد أثرًا حين يتخلص من الزوائد ويبلغ المعنى بأقل قدر من الكلام.

وهذه ملاحظات تنتمي إلى صميم القراءة النقدية، لأن الاحتفاء بالإبداع لا يتعارض مع مساءلته، فقد يكتمل بها. فالنقد الذي يرى مواطن القوة ويشير إلى ما يمكن تطويره، يفتح أمام التجربة آفاقًا جديدة، ويمنح الكاتب فرصة لتوسيع أدواته وتجويد اختياراته.

 

من الكلمة إلى اللوحة… حين تتكلم الألوان

Advertisement

 

وإذا كان الشعر في «صيحات مشاعر» يكشف عن الذات بالكلمة، فإن الفن التشكيلي يواصل هذه المهمة بلغة أخرى، هي لغة اللون والخط والشكل والفضاء. و لا ننتقل من الشعر إلى فن منفصل عنه انفصالًا تامًّا، فمن وسيلة تعبير إلى وسيلة أخرى، ومن إيقاع الحروف إلى إيقاع الألوان، ومن الصورة التي تتكون في المخيلة بفعل اللغة إلى الصورة التي تتجسد أمام العين في خطوط ومساحات وتكوينات.

فالكلمة الشعرية تستطيع أن تصف البحر، لكن اللوحة تستطيع أن تمنحنا بحرًا من اللون؛ والقصيدة قد تحدثنا عن التيه، لكن الخطوط المتشابكة يمكن أن تجعلنا نشعر به بصريًّا؛ والعبارة قد تشير إلى الحيرة، بينما يستطيع التكوين التشكيلي أن يجسدها في مسارات متقاطعة، وحدود ملتبسة، وأشكال تتردد بين الوضوح والغموض.

وتتجلى أهمية الجمع بين الشعر والتشكيل في ديوان «صيحات مشاعر»، إذ لا تعود الصورة زينةً تضاف إلى النص، ولا يصبح الشعر تعليقًا على اللوحة، وهو ينشأ بينهما مجال للتفاعل والتكامل، قد تفسر فيه الكلمة بعض ما توحي به الصورة، وقد تفتح الصورة في النص أبوابًا لم تكن لتظهر بالقراءة اللفظية وحدها.

وتبدأ الرحلة التشكيلية، بحسب النماذج التي نستحضرها من الديوان، بصورة بسيطة لنخلة تتصل في تكوينها بما يشبه الباز، أو الطائر الجارح، وفي مثل هذا التكوين يمكن أن يلتقي النبات بالطائر، والثبات بالحركة، والجذور بالتحليق. فالنخلة، بما ترمز إليه من رسوخ وامتداد وعطاء، تحيل إلى الأرض والانتماء، بينما يستدعي الطائر الجارح معاني القوة والارتفاع واتساع الأفق. وإذا اجتمعت الصورتان في لوحة واحدة، فإنهما تفتحان بابًا للتأويل يتجاوز حدود التشابه الشكلي إلى إمكانات رمزية متعددة.

وقد يكون من الخطأ أن نبحث عن معنى نهائي وحيد لهذه الصورة، لأن التشكيل، شأنه شأن الشعر، لا يخضع دائمًا لمعادلة مباشرة بين الشكل والمدلول. فقد تكون الصورة دعوة إلى التأمل في علاقة الإنسان بالطبيعة، أو محاولة للجمع بين الثبات والانطلاق، أو مجرد بحث جمالي في إمكانات تداخل الأشكال. ويبقى نجاح القراءة مرهونًا بقدرتها على الإنصات إلى ما تقترحه اللوحة، من غير أن تفرض عليها دلالة لا تسندها عناصرها البصرية.

ثم ينتقل المشهد إلى مخطوط يتخذ هيئة صورة كتاب خالٍ من الألوان. وهنا يبرز غياب اللون بوصفه عنصرًا يستحق التأمل؛ فالبياض ليس دائمًا فراغًا، كما أن غياب الألوان لا يعني بالضرورة غياب التعبير. فقد يكون الاقتصاد في اللون اختيارًا يوجه النظر نحو الخطوط وحدود الشكل، أو وسيلة لتجريد الصورة من الزخرفة، أو دعوة إلى النظر في العلاقة بين الأثر المكتوب والحيز الذي يحتضنه.

والكتاب، في ذاته، صورة للمعرفة والذاكرة وتراكم التجارب. فإذا ظهر في هيئة مخطوط خالٍ من الألوان، أمكن أن يُقرأ باعتباره إحالة إلى أصل الكتابة، أو إلى الذاكرة قبل أن تتعدد ألوانها، أو إلى المعرفة في حالتها المجردة. غير أن هذه المعاني تظل احتمالات تأويلية، تتوقف قوة كل منها على تفاصيل الصورة وتكوينها، وعلى علاقتها ببقية الأعمال داخل الديوان.

وهنا يتبدى الفرق بين القراءة التي تكتفي بتسمية ما تراه العين، والقراءة التي تحاول اكتشاف ما وراء الشكل. فقولنا إن اللوحة تمثل كتابًا يصف موضوعها الظاهر، لكنه لا يستنفد إمكاناتها. أما التساؤل عن سبب تجريدها من اللون، وعن موقعها في تسلسل الصور، وعن صلتها بالتجربة الشعرية، فينقلنا من الوصف إلى النقد، ومن المشاهدة العابرة إلى التأمل الجمالي.

 

الصورة في الصفحة الخامسة والأربعين… سفينة تخترق فضاءً ملتبسًا

 

Advertisement

وتزداد التجربة التشكيلية تعقيدًا في الصورة الواردة في الصفحة الخامسة والأربعين، حيث يبدو التكوين، بحسب الوصف المتاح، أشبه بسفينة تخترق عالمًا يتردد بين الفضاء والبناء والبحر. وتكمن جاذبية هذا المشهد في اجتماع عناصر تنتمي إلى مجالات مختلفة؛ فالسفينة تحيل إلى الرحلة والعبور، والبحر إلى الاتساع والاضطراب، والبناء إلى النظام والتشييد، والفضاء إلى الامتداد الذي لا تحده الجدران.

وحين تتداخل هذه العناصر في لوحة واحدة، تتحول إلى سؤال بصري عن العلاقة بين الحدود والامتداد، وبين ما شُيّد ليكون ثابتًا وما صُنع ليكون متحركًا. فالسفينة بطبيعتها أداة للعبور، لا تستقر على اليابسة، وإنما تمضي فوق الماء، متجهة إلى شاطئ معلوم أو مجهول. أما البناء فيوحي بالاستقرار، وبالرغبة في تنظيم المكان وإقامة الحدود. وإذا اجتمعا في فضاء بصري ملتبس، نشأ توتر بين الحركة والثبات، وبين الرحيل والإقامة.

وقد توحي السفينة التي تخترق هذا العالم بصورة الذات وهي تبحث عن منفذ في فضاء مزدحم بالأسئلة. وربما تستحضر رحلة الإنسان عبر التجارب، وهو يحاول عبور المسافة الفاصلة بين ما يعرفه وما يجهله، أو بين العالم الذي اعتاده والعالم الذي يتطلع إلى اكتشافه. ويلتقي التشكيل بموضوعات الديوان؛ فالذات التي تحفر بحثًا عن صوتها يمكن أن تتجسد في سفينة تخترق المجهول، والوجدان الذي تضطرب فيه الأسئلة يمكن أن يجد صورته في بحر تتداخل حدوده مع البناء والفضاء.

ولعل هذا النوع من التكوينات هو ما يمنح الصورة التشكيلية قدرتها على موازاة الشعر من غير أن تكرر عباراته. فاللوحة لا تحتاج إلى أن تكتب كلمة «حيرة» حتى تجعلنا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version