أخبار
المرأة في مواجهة الدخول المدرسي
نعيمة العدناني
صحفية متدربة
إذا كان الدخول المدرسي يمثل بالنسبة إلى الأبناء عودة إلى المدرسة، فإنه بالنسبة إلى كثير من الأمهات يمثل عودة إلى إيقاع يومي لا يترك الكثير من المساحة للراحة. فبمجرد أن تنتهي العطلة، تستعيد الأسرة نظامها المعتاد، ويبدأ الاستيقاظ المبكر، وتتوالى المواعيد والواجبات والمتابعة.
لكن وسط كل هذه التفاصيل، يظل سؤال أساسي مطروحا: “من يعتني بالمرأة التي تعتني بالجميع؟”
المرأة أيضا تعود من العطلة
العطلة الصيفية تمنح المرأة فرصة لاستعادة شيء من ذاتها. قد تسافر، تزور أهلها، تحيي صلة الرحم، تلتقي صديقاتها، تهتم بصحتها ومظهرها، أو تجد ببساطة وقتا تجلس فيه بعيدا عن إيقاع المسؤوليات اليومية.
لكن هذه المساحة سرعان ما تنتهي.
ومع اقتراب الدخول المدرسي، تعود المرأة إلى تنظيم حياة الأسرة: مواعيد النوم، الفطور، المدرسة، الواجبات، الأنشطة، والمواعيد المختلفة.
وهكذا، قد تنتهي العطلة دون أن تشعر المرأة أنها أخذت حقها الكامل من الراحة، لتبدأ موسما جديدا من الالتزامات.
لذلك، فإن الحديث عن الدخول المدرسي ينبغي ألا يقتصر على استعداد الأبناء، بل يجب أن يشمل أيضا استعداد الأسرة لحماية طاقة الأم وعدم استنزافها.
المرأة والأدوات المتعددة
الأمومة جزء مهم من حياة المرأة، لكنها ليست كل حياتها.
فالمرأة لها طموحاتها واهتماماتها وصداقاتها وحاجتها إلى الراحة والخصوصية. وقد تكون موظفة أو صاحبة مشروع أو طالبة أو ناشطة في محيطها الاجتماعي، إلى جانب مسؤولياتها الأسرية.
ومن الخطأ أن تصبح هذه الأدوار المتعددة سببا في اختفاء المرأة خلف مسؤولياتها.
إن تخصيص وقت للقراءة أو الرياضة أو لقاء الصديقات أو ممارسة هواية أو حتى الجلوس بهدوء، ليس ترفا ولا تقصيرا في حق الأسرة.
فالراحة ليست نقيض المسؤولية، بل شرط من شروط القدرة على الاستمرار.
من المساعدة إلى الشراكة
وهنا تبرز أهمية إعادة النظر في مفهوم المشاركة داخل الأسرة.
عندما يعتني الأب بأبنائه، أو يشارك في تدبير شؤون البيت، لا ينبغي أن ينظر إلى ذلك باعتباره مساعدة للزوجة، وإنما باعتباره جزءا من مسؤوليته الأسرية.
فالأبناء أبناء الاثنين، والبيت فضاء مشترك، وتدبيره مسؤولية لا ينبغي أن ترتبط بجنس أحد الزوجين.
والشراكة لا تعني بالضرورة تقسيم كل مهمة بالنصف، وإنما تعني أن يشعر كل طرف الطرف الآخر أنه ليس وحده في مواجهة الأعباء.
وقد تكون المشاركة أحيانا في أبسط الأشياء، أن يتكفل الأب بإيصال الأبناء إلى المدرسة، أو يتابع واجباتهم، أو يتولى بعض المشتريات، أو يمنح زوجته وقتا خاصا تستعيد فيه أنفاسها.
تفاصيل صغيرة، لكنها تعكس معنى كبيرا، أنا أراك، وأرى تعبك، وأنا شريكك في هذه الحياة.
والأبناء أيضا جزء من المعادلة
كما أن مسؤولية الأسرة لا ينبغي أن تبقى محصورة بين الزوجين.
فالأبناء، بحسب أعمارهم، قادرون على تحمل جزء من مسؤولياتهم.
ترتيب الحقيبة، تجهيز الملابس، المحافظة على الأدوات، تنظيم الغرفة، الالتزام بمواعيد النوم، والاستعداد للدراسة، كلها أمور يمكن أن تتحول إلى عادات تربوية.
فالأم التي تقوم بكل شيء عن أبنائها قد توفر عليهم الجهد مؤقتا، لكنها قد تحرمهم في المقابل من فرصة تعلم الاعتماد على النفس.
والتربية لا تعني أن ننجز كل شيء نيابة عن الطفل، وإنما أن نساعده على أن يصبح قادرا على إنجاز ما يستطيع بنفسه.
لا تجعلوا البيت امتدادا للمدرسة
ومع بداية الدراسة، قد يتحول البيت أحيانا إلى فضاء دائم للمراقبة والواجبات والنقط.
“هل درست؟”
“هل أنجزت واجبك؟”
“أين كتابك؟”
المتابعة ضرورية، لكن العلاقة بين الآباء والأبناء تحتاج أيضا إلى مساحة للحوار واللعب والإنصات.
فالطفل لا يحتاج إلى أم تراقب نتائجه فقط، وإنما إلى أم تستمع إليه وتسأله عن يومه ومشاعره وما يزعجه.
ومن المهم ألا تتحول النتيجة الدراسية إلى مقياس لقيمة الطفل، أو إلى مصدر دائم للقلق داخل الأسرة.
فالنجاح الدراسي مهم، لكنه ليس الجانب الوحيد في شخصية الطفل.
المرأة العاملة… يومان في يوم واحد
بالنسبة إلى المرأة التي تجمع بين العمل والأسرة، يصبح التحدي أكثر تعقيدا.
فبعد ساعات العمل، تنتظرها مسؤوليات أخرى داخل البيت، وقد تجد نفسها أمام يوم عمل ثان غير معلن وغير مؤدى عنه.
ولهذا فإن خروج المرأة إلى سوق العمل لا ينبغي أن يعني احتفاظها وحدها بكل المسؤوليات المنزلية والتربوية.
أما المرأة التي لا تعمل خارج البيت، فلا يعني ذلك أنها لا تعمل. فتدبير المنزل ورعاية الأبناء ومتابعة تفاصيل الحياة اليومية جهد مستمر، وإن لم يكن مأجورا.
وفي الحالتين، يبقى المبدأ واحدا: الأسرة تحتاج إلى تنظيم مسؤولياتها وفق ظروف أفرادها، لا إلى تحميل طرف واحد كل الأعباء.
الدخول المدرسي… وميزانية الأسرة
ولا يمكن فصل الدخول المدرسي عن الجانب الاقتصادي.
فالكتب والدفاتر والملابس والأحذية والنقل وغيرها من المصاريف قد تشكل ضغطا على ميزانية الأسرة، ولذلك يصبح التخطيط ضروريا.
ويمكن للأسرة أن تحدد أولوياتها، وتقارن الأسعار، وتعيد استخدام ما هو صالح، وتتجنب الإنفاق لمجرد مجاراة الآخرين.
كما يمكن أن يكون الموسم الدراسي فرصة لتعليم الأبناء قيمة المال، والتمييز بين الحاجة والرغبة، واحترام الإمكانات المتاحة للأسرة.
فليس ضروريا أن تكون الحقيبة الأغلى هي الأفضل، ولا أن تكون كثرة المقتنيات دليلا على نجاح الأسرة في الاستعداد للدراسة.
ضغط المقارنة… عبء إضافي
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المقارنة أكثر حضورا في حياة الأسر.
صور الملابس الجديدة، والحقائب، والمستلزمات، والرحلات، وغيرها، قد تخلق شعورا لدى بعض الآباء والأمهات بأن عليهم مجاراة الآخرين.
لكن لكل أسرة ظروفها وإمكاناتها.
والأبناء في حاجة إلى أن يتعلموا أن قيمتهم لا تتحدد بما يملكونه مقارنة بزملائهم، وأن الأسرة ليست مطالبة بإثبات قدرتها من خلال المظاهر.
فالأهم من شكل الدخول المدرسي هو ما نحمله إلى أبنائنا من قيم: الاعتدال، والمسؤولية، والاجتهاد، واحترام الآخرين.
حين يصبح البيت مدرسة للحياة
الدخول المدرسي فرصة لتعليم الأبناء دروسا تتجاوز الكتب والمناهج.
حين يرون الأب والأم يتعاونان، يتعلمون معنى الشراكة.
وحين يشاركون في أعمال البيت، يتعلمون المسؤولية.
وحين يحترم أفراد الأسرة وقت بعضهم، يتعلمون احترام الآخرين.
وحين يكون الحوار حاضرا عند الخلاف، يتعلمون أن الاختلاف لا يعني القطيعة.
بهذا المعنى، فإن التربية لا تبدأ عند باب المدرسة، بل تبدأ داخل البيت، من خلال ما يراه الطفل ويعيشه كل يوم.
لا تنتظروا حتى تنهك المرأة
المشكلة ليست في أن تتعب المرأة؛ فالتعب جزء من الحياة.
المشكلة أن يصبح تعبها أمرا عاديا لا يلتفت إليه أحد.
أن يعتاد الجميع على قيامها بكل التفاصيل، حتى تصبح مشاركتهم استثناءا.
لذلك، لا ينبغي انتظار اللحظة التي تقول فيها المرأة: “لم أعد أستطيع.”
المشاركة الحقيقية تبدأ قبل الإنهاك.
والاهتمام بالمرأة لا يحتاج دائما إلى مبادرات كبيرة؛ أحيانا يكفي أن يتقاسم الزوج معها مهمة، أو أن يتحمل الأبناء جزءا من مسؤولياتهم، أو أن تحصل على ساعة هادئة لنفسها.
الأسرة المتوازنة لا تحتاج إلى بطلة
ليست الأسرة المتوازنة تلك التي تستطيع فيها المرأة تحمل كل شيء.
بل تلك التي لا تضطر فيها إلى حمل كل شيء.
فالاستقرار الأسري لا ينبغي أن يقوم على قدرة أحد الأطراف على التضحية المستمرة، وإنما على التعاون والمرونة وتقدير ظروف كل فرد.
ومن هنا، فإن الدخول المدرسي يمكن أن يكون مناسبة لإعادة ترتيب الأدوار داخل الأسرة، لا مجرد موعد لشراء الكتب والدفاتر.
فلنجعل بداية الموسم الدراسي بداية أيضا لثقافة جديدة داخل البيت: مسؤولية مشتركة، ووقت متوازن، وتربية على الاستقلالية، واحترام لحق كل فرد في الراحة.
كلمة للمرأة
وأنت تستعدين لعودة أبنائك إلى المدرسة، لا تنسي نفسك وسط التفاصيل.
خططي مسبقا حتى لا تتراكم المهام، واطلبي المشاركة من زوجك وأبنائك، وامنحي أبناءك مساحة لتحمل مسؤولياتهم، ولا تجعلي نتائجهم الدراسية مسؤوليتك وحدك.
خصصي وقتا لنفسك، ولو كان قصيراً، واهتمي بصحتك وراحتك كما تهتمين بصحة أبنائك.
ولا تشعري بالذنب لأنك تحتاجين إلى الراحة أو إلى لقاء صديقة أو ممارسة هواية.
كوني أما حاضرة، لكن لا تهملي المرأة التي بداخلك.
فالعناية بالأسرة لا تعني إلغاء الذات، والحب لا يقاس بحجم التضحية وحدها.
وفي المقابل، على الأسرة أن تتذكر أن المرأة ليست مطالبة بأن تكون قوية طوال الوقت.
هي أيضا تتعب، وتحتاج إلى من يسندها.
ومع كل بداية موسم دراسي، ربما تكون أجمل عبارة يمكن أن تسمعها:
“لا تحملي كل شيء وحدك… نحن معك.”
فحين تصبح المسؤولية مشتركة، لا تعود العودة إلى المدرسة عبئا على المرأة وحدها، بل تتحول إلى مناسبة تتعلم فيها الأسرة كلها معنى التضامن والتعاون.
“””””””——-“””””
إليك سيدتي
*مع بداية الموسم الدراسي، لا تجعلي هدفك أن يكون كل شيء مثاليا، بل أن يكون منظما وقابلا للاستمرار. أنت لست مطالبة بأن تديري كل التفاصيل وحدك، ولا بأن تكوني متاحة للجميع طوال الوقت.
*رتبي استعداداتك قبل بداية الدراسة، حتى لا تتحول الأيام الأولى إلى حالة من الاستنفار.
ضعي الأولويات، وتذكري أن بعض المهام يمكن أن تنتظر.
*أشركي أبناءك في تجهيز أغراضهم وتنظيم يومهم، بحسب أعمارهم وقدراتهم.
*اجعلي المسؤوليات العائلية واضحة ومشتركة، ولا تحملي وحدك كل المواعيد والتفاصيل في ذاكرتك.
*حددي ميزانية مدرسية واقعية، وعلمي أبناءك الفرق بين ما يحتاجونه وما يرغبون فيه.
*لا تجعلي النقط والواجبات محور العلاقة مع أبنائك؛ اسأليهم أيضا عن مشاعرهم ويومهم وما يشغلهم.
*اتركي لنفسك وقتا خاصا، ولو كان قليلا. نصف ساعة هادئة قد تكون أحيانا كافية لاستعادة طاقتك.
*لا تشعري بالذنب عندما تحتاجين إلى الراحة أو إلى لقاء صديقة أو ممارسة هواية.
*وإذا شعرت أن الأعباء أصبحت أكبر من قدرتك، اطلبي المساعدة قبل أن يتحول التعب إلى إنهاك.
وتذكري دائما: العناية بالأسرة لا تعني إلغاء الذات، والتضحية لا ينبغي أن تصبح الطريقة الوحيدة لإثبات الحب.
كوني أما حاضرة، وزوجة شريكة، وامرأة لها أحلامها ووقتها وحقها في الراحة.