أخبار

الصوت الذي يصنع الفرق

Published

on

 

الوطنية بريس

محمد الحمدوشي

 

في كل موسم انتخابي، يتجدد المشهد نفسه.

صور المرشحين تملأ الفضاء العام، والبرامج تعود إلى الواجهة، والخطابات ترتفع، والوعود تتكاثر، فيما يقف المواطن أمام سؤال يبدو بسيطا، لكنه في الحقيقة عميق وشديد التعقيد:

هل أشارك أم أقاطع؟

وراء هذا السؤال تختبئ أسئلة أكبر بكثير: هل ما زالت مشاركة المواطن، وصوته قادرين على إحداث الفرق؟ هل تستحق بعض الأحزاب أو النخب السياسية أن نمنحها تقتنا؟ وهل المشاركة تعني الرضا عن الواقع؟ وهل المقاطعة قادرة، وحدها، على صناعة واقع بديل؟

إنها أسئلة مشروعة، ولا ينبغي التعامل معها بمنطق التخوين أو الاتهام.

فالمواطن الذي يقاطع قد لا يكون غير مبال، بل قد يكون غاضبا، متألما، وفاقدا للثقة، وربما أكثر متابعة للشأن العام من كثير ممن يذهبون إلى صناديق الاقتراع.

لكن السياسة لا تقاس فقط بنوايا أصحاب المواقف، وإنما أيضا بالنتائج التي تنتج عن تلك المواقف.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

Advertisement

 

عندما لا يكون الغياب فراغا

 

في مقال للأستاذ الباحث محمد بوفوطا* بعنوان «بين حقيقة دستورية الاستمرارية ووهم الفراغ والطوباوية في نقد دعوات المقاطعة بلا بديل»، تبرز فكرة مركزية تستحق التأمل: أن مقاطعة الانتخابات لا تعني توقف المؤسسات أو نشوء فراغ دستوري، فالعملية السياسية تستمر وفق القواعد والمؤسسات الدستورية.

وهنا تكمن مفارقة تستحق أن يتوقف عندها كل مواطن:

قد يغيب الناخب، لكن الانتخابات لا تغيب ولا تتعطل.

قد يبقى المواطن في منزله احتجاجا، لكن مكاتب الاقتراع تفتح.

قد يرفض مرشحا، لكن مرشحين آخرين يواصلون حملاتهم.

وقد يفقد الثقة في الأحزاب، لكن الأحزاب تستمر في التنافس.

أي أن الغياب لا يوقف ولن يوقف عجلة السياسة.

لذلك يصبح للسؤال وجه آخر:

إذا انسحب من يريد التغيير، فمن سيغير ومن سيبقى داخل الساحة؟

Advertisement

هذه ليست دعوة إلى تخوين المقاطعين، وإنما دعوة إلى التفكير في النتيجة العملية للموقف.

فالاحتجاج موقف، لكن السياسة أيضا هي إدارة النتائج.

لا يكفي أن تقول: لا

في الحياة السياسية، كلمة “لا” مهمة.

لا للفساد.

لا للرشوة.

لا لشراء الأصوات.

لا للوعود الكاذبة.

لا لاستغلال حاجة المواطن…

لكن هناك فرقا بين أن تقول “لا” وبين أن تبني بعد “لا” شيئا جديدا.

وهنا تكمن مشكلة بعض دعوات المقاطعة: أنها تنجح في التعبير عن الغضب، لكنها لا تجيب دائما عن السؤال الأصعب:

وماذا بعد؟

Advertisement

من سيقدم البديل؟

من سيقترح الإصلاح؟

من سيغير القوانين؟

من سيراقب المؤسسات؟

من سيواجه الاختلالات؟

ومن سيحمل صوت المواطن إلى مواقع صناعة القرار؟

إن رفض الواقع خطوة، لكن بناء البديل هو الخطوة الأدق والأشق.

 

من المدينة الفاضلة إلى السياسة الواقعية

 

ربما نخطئ عندما نبحث في السياسة عن المرشح الكامل، والحزب الكامل، والبرلمان الكامل.

السياسة ليست مدينة فاضلة.

Advertisement

إنها مجال بشري تحكمه المصالح والاختلافات والتنافس والصراع، ولذلك فإن الديمقراطية الحديثة لم تقم على افتراض أن السياسيين لا يخطئون، وإنما على بناء مؤسسات وآليات تسمح بالمراقبة والمساءلة والتصحيح والعقاب.

وهذه نقطة أساسية في مقال محمد بوفوطا، الذي يميز بين انتظار نموذج سياسي مثالي وبين الاشتغال داخل واقع دستوري ومؤسساتي قابل للتصحيح.

فالديمقراطية لا تقول للمواطن:

اختر الملائكة.

بل تقول له، بصورة أكثر واقعية:

اختر، وراقب، وحاسب…

في الاتجاه نفسه، يفتح مقال أحلام ساقي، «حين يعي المواطن أن صوته أمانة والاختيار مسؤولية»، زاوية أخرى مهمة: قيمة المشاركة لا تكمن فقط في الحضور إلى صندوق الاقتراع، بل في الوعي بالاختيار وما يترتب عنه من مسؤولية.

فالصوت ليس مجرد ورقة.

الصوت موقف.

والاختيار ليس لحظة عابرة.

إنه قرار يمكن أن تترتب عليه آثار تمتد لسنوات.

ولهذا ينبغي أن يسأل المواطن قبل أن يمنح صوته:

Advertisement

من هذا المرشح؟

ماذا قدم؟

ما برنامج حزبه؟

هل يعرف مشاكل المنطقة؟

هل يستطيع تنفيذ ما يعد به؟

وإذا كان قد تولى مسؤولية من قبل، فماذا كانت حصيلته؟

وهذه الأسئلة أهم بكثير من الصورة الانتخابية، والخطاب الحماسي، والوعود الموسمية.

لا تمنح صوتك لمن يطلبه فقط

هناك مرشح يأتي في موسم الانتخابات ليطلب صوتك.

لكن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه عليه هو:

أين كنت عندما لم تكن تحتاج إلى صوتي؟

إذا كان قد سبق أن تحمل مسؤولية، فالحساب يبدأ من هناك.

Advertisement

ماذا فعل؟

ماذا اقترح؟

ما الملفات التي تابعها؟

ما الذي نجح فيه؟

وما الذي فشل فيه؟

ولماذا؟

إن الانتقال من سؤال “ماذا ستفعل؟” إلى سؤال “ماذا فعلت؟” يمثل في حد ذاته تطورا في الوعي الانتخابي.

فالوعود سهلة.

أما الحصيلة فتحتاج إلى عمل.

والخطاب سهل.

أما النتائج فتحتاج إلى وقت وكفاءة وتدبير.

 

Advertisement

لا تبع صوتك… ولا تهدره

 

بين بيع الصوت وإهداره فرق كبير.

بيع الصوت يحول السياسة إلى سوق ينفض مع اغلاق مكاتب الإقتراع.

أما إهداره دون تصور بديل فقد يحول الاحتجاج إلى انسحاب من إحدى أدوات التأثير.

وفي الحالتين يخسر المواطن جزءا من قوته.

الصوت الذي يباع يفقد استقلاله.

والصوت الذي لا يستعمل يفقد قدرته على التأثير في الاختيار.

أما الصوت الواعي، فهو الذي يحتفظ بحريته ويستخدمها بناء على المعرفة والمصلحة العامة.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد المال الانتخابي أو شراء الأصوات، وإنما أيضا ضد الجهل السياسي واللامبالاة والاختيار العاطفي.

 

المواطن ليس رقما

Advertisement

 

من أكبر الأخطاء التي يمكن أن ترتكبها النخب السياسية النظر إلى المواطن باعتباره رقما يظهر مرة كل عدة سنوات في لوائح الناخبين.

المواطن ليس رقما.

هو صاحب حق.

وهو أيضا صاحب ذاكرة.

يتذكر من زاره قبل الانتخابات، ومن اختفى بعدها.

يتذكر من وعده، ومن عاد إليه بحصيلة.

يتذكر من استمع إلى مشاكله، ومن اكتفى بصورة تذكارية.

ومن هنا فإن الانتخابات ينبغي أن تتحول من موسم للوعود إلى موسم للحساب.

ليس الحساب بمعنى الانتقام، وإنما بمعنى التقييم الديمقراطي.

من نجح، يستحق أن يستمر.

ومن أخفق، ينبغي أن يستبدل.

Advertisement

وهكذا يصبح التداول السياسي آلية طبيعية لتصحيح المسار.

المواطن الذي يصوت لا يمنح شيكا على بياض.

من المهم أيضا تحرير المشاركة من مفهوم خاطئ.

التصويت لا يعني أن المواطن وافق على كل شيء.

ولا يعني أنه أصبح مدافعا عن الحزب أو المرشح الذي اختاره.

ولا يعني أنه فقد حقه في النقد.

على العكس.

يمكن للمواطن أن يمنح صوته ثم يرفع صوته بالنقد عندما يرى خللا.

ويمكنه أن يساند ويسدد.

ويمكنه أن يمنح الثقة ثم يسحبها في الاستحقاق المقبل.

وهنا تصبح الانتخابات جزءا من دورة مستمرة من الثقة والمراقبة والمساءلة.

وإذا اخترت المقاطعة؟

Advertisement

المقاطعة، في حد ذاتها، ليست جريمة سياسية ولا دليلا تلقائيا على عدم الوطنية.

فمن حق المواطن أن يحتج وأن يعبر عن رفضه بالوسائل المشروعة.

وهنا تظهر قيمة فكرة «المقاطعة بلا بديل» التي يناقشها محمد بوفوطا: المشكلة ليست فقط في عدم المشاركة، وإنما في غياب تصور لما ينبغي أن يأتي بعدها.

فالرفض الذي لا ينتج بديلا قد يطيل عمر الواقع المرفوض.

السياسة تبدأ بعد صندوق الاقتراع،

ربما نحتاج إلى إعادة تعريف المشاركة السياسية،

المشاركة ليست فقط أن تذهب إلى الصندوق.

وليست فقط أن تنضم إلى حزب.

إنها أيضا أن تسأل، وتقرأ، وتناقش، وتراقب، وتكتب، وتحتج، وتقترح.

المجتمع المدني شريك.

والصحافة شريك.

والجامعة شريك.

Advertisement

والشباب شريك.

والمرأة شريك.

والأسرة أيضا لها دور في بناء ثقافة سياسية مسؤولة.

فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن المسؤولية تعني المحاسبة، وأن المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة أو الشخصية، سيكون غدا مواطنا أكثر قدرة على ممارسة الديمقراطية.

 

ماذا نريد من الانتخابات؟

 

ربما آن الأوان لأن نطرح سؤالا مختلفا:

ماذا نريد نحن من الانتخابات؟

هل نريد فقط تغيير الأشخاص؟

أم نريد تحسين المؤسسات؟

هل نريد وجوها جديدة؟

Advertisement

أم نريد أيضا ثقافة سياسية جديدة؟

هل نريد ارتفاع نسبة المشاركة؟

أم نريد مشاركة واعية؟

فالعدد مهم، لكن الوعي أهم.

والمشاركة مهمة، لكن جودة الاختيار والمتابعة والمساءلة لا تقل أهمية عنها.

وهل نعتبر مشاركتنا في الإنتخابات مساهمة في خدمة الوطن وبناء مستقبل البلاد

أم نعتبر الإنتخابات سوق يقوم وينفض، يربح البعض ويخسر الوطن

 

من الناخب الموسمي إلى المواطن الدائم

 

المجتمع الديمقراطي الحقيقي لا يصنعه المواطن الذي يظهر كل خمس سنوات.

بل يصنعه المواطن الذي يبقى حاضرا طوال السنوات.

Advertisement

يحضر عندما يناقش القانون.

يحضر عندما تناقش الميزانية.

يحضر عندما تظهر مشكلة في التعليم أو الصحة أو النقل أو البيئة…

يحضر عندما يحتاج الحي إلى الدفاع عن مصالحه.

يحضر عندما يحتاج المسؤول إلى من يسأله.

ويحضر عندما يحتاج الوطن إلى من يساهم في الحل والبناء.

وهنا يتحول المواطن من ناخب موسمي إلى مواطن دائم.

وهذا هو التحول الذي نحتاج إليه،

من “من أختار؟” إلى “كيف أساهم؟”

إن النضج السياسي لا يقاس فقط بمعرفة المرشح الذي سنصوت له.

بل بقدرتنا على الإجابة عن سؤال أكبر:

ماذا سأفعل بعد الانتخابات؟

Advertisement

إذا نجح من اخترته، سأراقبه.

إذا أخطأ، سأنتقده.

إذا أصاب، سأدعمه.

إذا فشل، سأحاسبه.

وإذا لم أقتنع بأي خيار، فسأبحث عن طرق أخرى مشروعة ومنظمة للتأثير، لا أن أكتفي بالشكوى.

هذه هي المواطنة التي تتجاوز صندوق الاقتراع.

 

لبوا نداء الوطن

 

الوطن لا يحتاج إلى مواطن يصفق دائما.

كما أنه لا يحتاج إلى مواطن يرفض دائما.

الوطن يحتاج إلى مواطن يفكر.

Advertisement

مواطن لا يبيع صوته، ولا يهدره.

لا يقدس السياسي، ولا يشيطنه.

لا يمنح الثقة بلا حساب، ولا يرفض المشاركة بلا بديل.

مواطن يعرف أن صوته أمانة، وأن اختياره مسؤولية، وأن الاحتجاج حق، وأن الإصلاح عمل طويل.

لقد علمتنا التجارب السياسية أن الفراغ لا يبقى فارغا، وأن المساحات التي ننسحب منها قد يشغلها غيرنا.

لكنها علمتنا أيضا أن المشاركة وحدها لا تكفي.

المطلوب هو مشاركة واعية، واختيار مسؤول، ومراقبة مستمرة، ومساءلة هادئة، وقدرة على تغيير الاختيار عندما تتغير المعطيات.

فالديمقراطية ليست يوم الاقتراع فقط.

الديمقراطية تبدأ قبل الصندوق بالوعي، وتمر عبره بالاختيار، وتستمر بعده بالمحاسبة.

وعندما يفهم المواطن هذه المعادلة، لن يعود صوته مجرد ورقة داخل صندوق.

سيصبح أداة سلمية لصناعة الفرق، ورسالة واضحة إلى كل من يطلب ثقته:

أنت لا تأخذ صوتي… أنا أمنحك إياه، ولذلك سأبقى شريكا في مراقبة ما ستفعله به.

Advertisement

 

*محمد بوفوطا

بين حقيقة دستورية الاستمرارية ووهم الفراغ والطوباوية في نقد دعوات المقاطعة بلا بديل https://arra2.com/?p=25522

 

**أحلام ساقي

حين يعي المواطن ان الصوت أمانةً والاختيار مسؤوليةً

https://scopresse.com/national/15546.html

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version