أخبار

عمر مرحام الجموحي “خطوات في دروب النبوغ والإبداع”

Published

on

الوطنية بريس

حميد بركي

 

 

أشرقت شمس عمر مرحام الجموحي بمدينة خريبكة المملكة المغربية في العاشر من أكتوبر سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وستين، ومنذ سنواته الأولى، جمع بين الطموح العلمي والشغف بالثقافة والفنون، ليصنع مسارًا متنوعًا تلاقت فيه الخبرة المهنية مع الإبداع الأدبي والفني، والعمل الجمعوي والثقافي.

تابع تكوينه الأكاديمي بفرنسا، حيث حصل على دبلوم جامعي من جامعة ليون الثالثة في تخصص المالية وتدبير الموارد البشرية، وهو تكوين مكّنه من الإحاطة بمفاهيم الإدارة الحديثة والتخطيط الاستراتيجي وتدبير الرأسمال البشري، كما عزز مؤهلاته بالحصول على شهادة في الريادة وتسيير المشاريع من المدرسة المركزية بباريس، فرع الدار البيضاء، ليضيف إلى رصيده العلمي رؤية متقدمة في مجال قيادة المشاريع وتطوير المقاولات.

وانطلاقًا من هذه الخبرة، أسس مقاولة OMNI ADVISORS التي يتولى رئاستها، وهي مؤسسة متخصصة في تنظيم التظاهرات المهنية والثقافية، وإعداد البرامج التكوينية، وتنظيم الرحلات والأنشطة لفائدة الشركات والمؤسسات، حيث استطاعت أن تفرض حضورها من خلال اعتمادها مقاربة تجمع بين الاحترافية والإبداع، وبين الجودة في التنظيم والحرص على تحقيق قيمة مضافة لعملائها وشركائها،

وعلى امتداد مساره المهني، تقلد مسؤولية الموارد البشرية والعلاقات العامة بعدد من الشركات متعددة الجنسيات، فأسهم في تدبير الموارد البشرية، وبناء استراتيجيات التواصل، وتعزيز العلاقات المؤسساتية، والإشراف على مشاريع التطوير الإداري، مستفيدًا من خبرة ميدانية راكمها عبر سنوات من العمل في بيئات مهنية متنوعة.

ولم يقتصر عطاؤه على المجال الاقتصادي والإداري، فقد انخرط في تدبير الشأن العام، حيث انتخب مستشارًا بالمجلس الجماعي لمدينة برشيد، وأسهم في عدد من المبادرات ذات الأبعاد التنموية والاجتماعية والثقافية، كما شغل منصب نائب رئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة سطات بن سليمان، وأسهم في دعم المبادرات الاقتصادية، وتقوية جسور التعاون بين الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات المهنية.

وفي المجال الثقافي، يعد عمر مرحام الجموحي من الأسماء التي جمعت بين الإبداع والممارسة الثقافية، حيث يشغل منصب الكاتب العام لرابطة المبدعين العرب بالمكتب المركزي، ويساهم في ترسيخ قيم الحوار الثقافي والانفتاح على التجارب الإبداعية العربية، إلى جانب عضويته في اتحاد الكتاب والصحفيين العرب بباريس، بما يعكس حضوره في الفضاء الثقافي العربي داخل الوطن وخارجه.

كما يشغل منصب أمين مال جمعية الفن الذكي للفنون التشكيلية، وهو عضو بالجمعية المغربية للإبداع الفني والرياضي، ومستشار ثقافي للموقع الإلكتروني وجريدة الأحداث الآن، إضافة إلى عضويته في هيئة تحرير مجلة المغرب الثقافي، حيث يشارك في مواكبة الحركة الثقافية والإبداعية، وإبراز الطاقات الأدبية والفنية المغربية والعربية.

ويمثل الفن التشكيلي أحد أبرز روافد تجربته الإبداعية، إذ أنجز مجموعة من الأعمال الفنية التي عرضت في معارض داخل المغرب وخارجه، ولاسيما بفرنسا، وتميزت أعماله بنزعة جمالية تمزج بين الحس الإنساني والبعد الرمزي، كما تولى الإدارة الفنية لعدد من الملتقيات الأدبية والفنية، وأسهم في تنظيم فعاليات جمعت بين الشعر والفن التشكيلي والموسيقى والفكر، مؤمنًا بأن الفنون المختلفة تتكامل في بناء الوعي الجمالي والإنساني.

Advertisement

أما المجال الأدبي، فقد رسخ حضوره شاعرًا يكتب القصيدة الحديثة برؤية إنسانية وتأملية، تتناول قضايا الإنسان والذاكرة والهوية والوجود، ونشرت له قصائد في عدد من المجلات والصحف العربية، من بينها مجلات ورقية في مصر، والجريدة المركزية التابعة لوزارة السياحة والآثار بجمهورية العراق، إضافة إلى جريدة البيان المغربية، كما شارك بنصوصه في ديوانين جماعيين صادرين عن جامعة المبدعين المغاربة.

وشارك في العديد من المهرجانات والملتقيات والأمسيات الشعرية داخل المغرب وخارجه، وكان حضوره دائمًا مقرونًا بالإسهام في تنشيط المشهد الثقافي، وإدارة اللقاءات الأدبية والفنية، وتقديم قراءات شعرية تعكس تجربته الإبداعية ورؤيته الإنسانية،

ويجسد عبر كل هذه التجارب نموذج المثقف الموسوعي الذي استطاع أن يوفق بين المسؤولية المهنية والالتزام المجتمعي والإبداع الأدبي والفني، فكان الإداري الكفء، ورجل المبادرة، والشاعر، والفنان التشكيلي، والفاعل الثقافي، واضعًا خبراته المتنوعة في خدمة الإنسان والثقافة والتنمية، وتقوم تجربته على إيمان راسخ بأن الثقافة قوة فاعلة في بناء الوعي، وترسيخ قيم الجمال والحوار، والإسهام في الارتقاء بالمجتمع، وهو ما جعل اسمه حاضرًا في عدد من المبادرات الثقافية والإبداعية داخل المغرب وخارجه، بوصفه أحد الأصوات التي تجمع بين الفكر والإدارة والإبداع في مسار واحد متكامل، وهذه قصيدته كنموذج

 

في البدء كانت الحكاية

نباتا يتسلق الجدران،

كطفل يتعلم المشي،

وتزهر كلما اكفهر الجو،

كأنها نفس دافئ في صدر الأزقة.

 

في البدء كانت الخطوط ملتوية،

لا تستقيم عليها الكلمات،

Advertisement

كأبكم يتهجى الحروف

واحدا… واحدا.

 

في البدء كنت لا أعرف للروائح إلا حضنا واحدا.

كان أنفي يتبع أثر النسمات،

ثم يصير أحولا كلما اختلط عطر أمي

بأنفاس الجيران.

 

في البدء كنت أتعلم ضروب الحب

كما في الأساطير الأولى،

أتوه بين ابتسامة بريئة

ونظرة شاردة

Advertisement

كصوت يبحث عن صداه

في فجاج الروح.

 

في البدء كنت إنسانا

والآن صرت شيئا

لا تتعرف عليه المرايا

ولا القواميس تعرف له إسما

أعجز كل صباح عن تصنيفه بين الناجين والذين ما زالوا يموتون ببطء.

 

وبين البدايات والنهايات كان طيفي

يستضيء بقبس الإبداع،

حتى أزهرت روحي ورودا

Advertisement

تمرح في رياض القلب،

وتتلألأ بألوان الطيف،

كأنها شمس صغيرة

تكبر وهجا سماء على ظهر سماء.

 

#هكذا_تكلمت_الحياة_لحظة_إبدا

 

 

يحمل النص بعدًا وجوديًا عميقًا، إذ يجعل من عبارة “في البدء” مفتاحًا للدخول إلى رحلة الإنسان منذ لحظة التكوين الأولى حتى لحظة الوعي بذاته وتحولاته، وهي حالة وجودية يعود إليها الكاتب ليقارن بين ما كان عليه وما آل إليه، بصورة تتجسد نباتًا يتسلق الجدران، وهي توحي بأن الحياة تنمو ببطء، وتشق طريقها وسط العوائق كما يفعل النبات المتسلق، ثم يقرنها بصورة الطفل الذي يتعلم المشي، ليؤكد أن كل بداية تحمل في داخلها هشاشة وأملًا معًا، وحين يقول إن الحكاية تزهر كلما اكفهر الجو، فإنه يمنح الألم قيمة إيجابية، إذ تصبح الشدائد سببًا للنضج والازدهار، وكأن الحياة لا تكشف أجمل وجوهها إلا بعد العسر، ثم ينتقل إلى الحديث عن الخطوط الملتوية التي لا تستقيم عليها الكلمات، فيرسم صورة لبدايات الوعي الإنساني؛ فاللغة تنمو تدريجيًا كما ينمو الإدراك، ولذلك يشبهها بأبكم يتهجى الحروف واحدًا واحدًا، في إشارة إلى أن الإنسان يبني عالمه المعرفي خطوة بعد أخرى، ويأخذنا النص بعد ذلك إلى عالم الحواس، ولا سيما حاسة الشم، حين يجعل حضن الأم أول رائحة يعرفها الطفل، إذ الرائحة رمز للأمان والانتماء والهوية الأولى، وعندما يختلط عطر الأم بأنفاس الجيران تبدأ الذات في اكتشاف العالم الخارجي، فتغادر دائرة البراءة الأولى إلى فضاء التعدد والاختلاف، ويتابع الكاتب رحلة التكوين بالحديث عن الحب، فيقدمه بوصفه تجربة وجودية أولى أكثر من كونه عاطفة عابرة، فهو يتعلم الحب كما لو كان يعيش أسطورة قديمة، ويتيه بين الابتسامة والنظرة، ويبحث عن صدى صوته في أعماق الروح، وهو تصوير يجسد الحيرة التي ترافق اكتشاف الإنسان لمشاعره ولعلاقته بالآخر، ويبلغ النص ذروته الفكرية في قوله: “في البدء كنت إنسانًا، والآن صرت شيئًا.” ففي هذه العبارة ينتقل من الحديث عن النمو إلى الحديث عن الاغتراب، إذ يشعر المتكلم بأنه فقد ملامح هويته حتى أصبحت المرايا عاجزة عن التعرف إليه، وأصبحت القواميس غير قادرة على منحه اسمًا يحدد كيانه، وهذه الصورة تعبر عن أزمة الإنسان المعاصر الذي يعيش تمزقًا داخليًا يجعله معلقًا بين الحياة والموت، وبين النجاة والانهيار البطيء، غير أنه يفتح أفقًا جديدًا حين يجعل الإبداع قبسًا يضيء الطيف الداخلي، فتزهر الروح من جديد، وتتحول إلى ورود تتلألأ بألوان الطيف، و يصبح الإبداع فعل مقاومة للعدم، ووسيلة لاستعادة الذات بعد أن أوشكت على الضياع.

ومن الناحية الفلسفية، يتوافق النص مع الفلسفة الوجودية التي ترى أن الإنسان لا يولد بهوية مكتملة، فقد تتشكل هويته عبر التجربة والاختيار، كما يجسد مفهوم الاغتراب، حيث يشعر الإنسان بالغربة عن ذاته حتى يعجز عن التعرف إلى نفسه، ويبرز كذلك دور الذاكرة في تشكيل الهوية، فالعودة المتكررة إلى عبارة “في البدء” استحضار له بوصفه جزءًا من الحاضر، يؤثر في رؤية الإنسان لنفسه وللعالم.

ويؤكد أن إدراك الإنسان يبدأ بالحواس قبل أن يتحول إلى أفكار ومفاهيم، وهو ما يظهر في استحضار الرائحة والحضن والابتسامة والنظرة بوصفها أولى وسائل الاتصال بالعالم، ثم ينتهي إلى أن الإبداع هو الوسيلة التي يستطيع الإنسان من خلالها أن يتجاوز ألمه، ويعيد بناء ذاته، ويمنح لحياته معنى جديدًا،

وهكذا يتجاوز حدود السرد الشعري ليصبح تأملًا فلسفيًا في نشأة الإنسان، وتكوينه، واغترابه، ثم محاولته الدائمة لاستعادة ذاته عن طريق الذاكرة والإبداع، مؤكدًا أن الإنسان قد يفقد كثيرًا من ملامحه في مسيرة الحياة، لكنه يستطيع أن يولد من جديد كلما حوّل ألمه إلى جمال، وذكرياته إلى معنى، وتجربته إلى إبداع، كما

Advertisement

تمثل خاتمة النص ذروة مساره الدلالي، إذ ينتقل فيها من استحضار البدايات وما رافقها من براءة، ثم من الإحساس بالاغتراب وفقدان الهوية، إلى مرحلة جديدة حيث يجد فيها الخلاص في الإبداع، فبعد أن أعلن سابقًا أنه أصبح “شيئًا لا تتعرف عليه المرايا”، تأتي هذه الخاتمة لتعيد بناء الذات على أسس مختلفة، وتؤكد أن الإنسان يستطيع أن يسترد وجوده من خلال فعل الخلق والإبداع.

وقوله: “وبين البدايات والنهايات كان طيفي يستضيء بقبس الإبداع” يوحي بأن الطيف هو جوهر الذات أو صورتها الباقية رغم كل التحولات، والطيف هو ذلك الأثر الداخلي الذي ظل يقاوم العتمة، فلم ينطفئ تمامًا، وقد وجد في الإبداع قبسًا من النور يرشده ويمنحه القدرة على الاستمرار، واختيار كلمة “قبس” يحمل دلالة رمزية، فهي تحيل إلى النور القليل الذي يكفي لهداية التائه، مما يعني أن الإبداع وسيلة للنجاة، ثم يقول: “حتى أزهرت روحي ورودًا تمرح في رياض القلب”، وهي صورة تنقل القارئ من عالم الألم إلى عالم الخصب والجمال، فالورود ترمز إلى الحياة والتجدد والنقاء، أما رياض القلب فتمثل الفضاء الداخلي الذي استعاد حيويته بعد أن كان مثقلًا بالحزن ، والفعل “تمرح” يضفي على الصورة حركة وحرية، وكأن الروح استعادت طفولتها وبراءتها.

ويتابع قوله: “وتتلألأ بألوان الطيف”، حيث يغدو الطيف رمزًا للتنوع والاكتمال والانسجام. فالألوان المختلفة تتكامل لتصنع لوحة واحدة، وفي ذلك إشارة إلى أن التجارب المتباينة، بما فيها الألم والفرح، أصبحت جميعها جزءًا من تكوين الذات، ولم تعد مصدرًا للتمزق، أما الصورة الأخيرة: “كأنها شمس صغيرة تكبر وهجًا سماء على ظهر سماء”، فهي من أكثر صور النص انفتاحًا على الدلالة، فالشمس رمز للحياة والنور والطاقة، لكنها توصف هنا بأنها “صغيرة”، في إشارة إلى أن البدايات المتواضعة قادرة على أن تنمو وتفيض إشراقًا، ثم يأتي التعبير “تكبر وهجًا” ليؤكد أن الإبداع يزداد اتساعًا وتأثيرًا مع الزمن، أما عبارة “سماء على ظهر سماء” فتفتح أفقًا لا نهائيًا للمعنى، إذ توحي بأن الإبداع لا يعرف حدودًا، وأن الروح كلما ارتقت اكتشفت آفاقًا أرحب من الوعي والجمال والمعرفة، في حركة صعود مستمرة لا تنتهي.

وهكذا تنقلب خاتمة النص من خطاب يثقل كاهله الحنين والاغتراب إلى رؤية متفائلة تجعل من الإبداع فعلًا يعيد للإنسان هويته، ويحوّل جراحه إلى مصدر للنور، فبعد أن كان البطل يبحث عن نفسه بين البدايات والنهايات، ينتهي إلى اكتشاف أن الذات تُبنى من جديد كلما استطاع الإنسان أن يحوّل تجربته إلى جمال، وألمه إلى نور، وحياته إلى أثر باقٍ يتجاوز حدود الزمن.

أما بناءه الصوتي لا يقل أهمية عن بنائه الدلالي، إذ الحروف أسهمت في تشكيل الجو النفسي، فانتقلت باللغة من مجرد التعبير إلى الإيحاء، وأصبحت الأصوات نفسها تنقل ما تعجز الألفاظ المباشرة عن قوله، وهي تتكرر مثل الحروف المجهورة في كثير من ألفاظ النص كالراء واللام والميم والنون والعين، وهي حروف تمتاز بقوة حضورها في السمع، وهي مناسبة لاستحضار الذكريات وإبراز ثقل التجربة الإنسانية وعمق الإحساس بها، ويتجلى ذلك في ألفاظ مثل الروح والروائح والمرايا والإبداع والقلب، حيث تمنح هذه الأصوات النص امتدادًا داخليًا يوحي باستمرار الألم واستمرار الأمل في آن واحد،

وتبرز الحروف الهمسية مثل الهاء والحاء والسين والشين والفاء والكاف في مواضع تحمل الشجن والحنين، ولا سيما في ألفاظ مثل الحكاية والحضن والنسمات والشاردة والشيء والصباح، ويؤدي جريان النفس مع هذه الحروف إلى إحداث نبرة هادئة خافتة تشبه الهمس، وكأن المتكلم يناجي ذاته أو يستعيد ذكرياته بصوت خفيض، فتتجاوز القيمة الصوتية حدود النطق لتصبح ترجمة مباشرة للحزن والاغتراب،

أما الحروف الذلقية وهي الراء واللام والنون والفاء والميم والباء، فقد حضرت بكثافة في ألفاظ مثل البداية والحكاية والقلب والروح والورود والمرايا وتمتاز هذه بسهولة جريانها على اللسان، فأسهمت في منح النص انسيابًا موسيقيًا يتلاءم مع حركة الذاكرة وهي تنتقل بين الماضي والحاضر، وبين البراءة الأولى والتحول الوجودي الذي يعيشه المتكلم.

كما يظهر أثر الحروف الرخوة مثل السين والشين والزاي والفاء والهاء، إذ توحي بالامتداد والاستمرار، وهو ما ينسجم مع امتداد الحنين واستمرار المعاناة، بينما تمنح الحروف الشديدة مثل القاف والكاف والطاء والدال بعض المواضع قوة وانفجارًا صوتيًا يعكس لحظات الصدمة والتحول، كما في ألفاظ القواميس والقبس وتتكبر والحكاية.

وتؤدي الحروف المائعة، ولا سيما اللام والراء والميم والنون، دورًا مهمًا في بناء الإيقاع الداخلي للنص، إذ تمنحه نعومة وانسيابًا يتوافقان مع التدفق الوجداني، فتبدو اللغة أقرب إلى المناجاة منها إلى السرد، و يكثر استعمال حروف المد، ولا سيما الألف والواو والياء، في ألفاظ مثل الحكاية والروائح والإنسان والمرايا والقواميس والإبداع والورود، فتطيل هذه الأصوات زمن النطق، فيشعر القارئ بامتداد الذكرى واتساع مساحة التأمل، وكأن الزمن نفسه يتمدد داخل التجربة الشعورية.

ويلاحظ أيضًا حضور التكرار الصوتي لعبارة في البدء، وهو تكرار يعكس إلحاح الذاكرة وعودة الذات المستمرة إلى لحظة النقاء الأولى، فتتحول العبارة إلى لازمة نفسية تؤكد أن الإنسان كلما تقدم في العمر عاد يبحث عن بدايته.

ومن ثم فإن البنية الصوتية للنص تتجاوز حدود اللفظ إلى التعبير عن الحالة النفسية، إذ تتضافر الحروف المجهورة مع الهمسية والذلقية والرخوة وحروف المد لتصنع نسيجًا سمعيًا يعكس الحنين والاغتراب والبحث عن الهوية، حتى يصبح الصوت نفسه حاملًا للمعنى، ويغدو الإيقاع مرآة دقيقة لما يعتمل في أعماق النفس من انكسار وأمل ورغبة في استعادة الذات

 

Advertisement

حميد بركي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version