أخبار

برنامج صدى الإبداع

Published

on

الوطنية بريس

حميد بركي

برنامج : «صدى الإبداع»

 

( بَرْنامَـجٌ سُوِّيَتْ أَرْكانَــهُ أَدَبًا .. كَنَخْلَةٍ طَرَبًا تَسَّاقَطَتْ رُطَبًا )

عنوان لبرنامجٍ تلفزيوني، بناءٌ دلاليّ تتجاور فيه الفكرة مع صورتها، والدالّ مع مدلوله، في انسجامٍ يكاد يختصر فلسفة القول والإنتاج معًا، هو اسمٌ يشتغل على مستويين: ظاهرٍ يستدعي السمع، وباطنٍ يستفزّ الوعي، فيفتح باب التأويل على اتساعه، ويجعل من التسمية ذاتها مدخلًا إلى فهم طبيعة الإبداع ومآله.

فالصدى، في معناه العلمي، رجعُ الصوت حين يرتدّ عن حاجز، ليُثبت أنّ ثمّة أصلًا امتلك من القوّة ما يؤهّله للامتداد. غير أنّ هذا الارتداد، حين يُقرأ خارج حدوده الفيزيائية، يتحوّل إلى علامةٍ على الأثر؛ على تلك القدرة الخفيّة التي تجعل القول يتجاوز لحظته، ويستقرّ في الذاكرة، ويتحوّل إلى حضورٍ متجدّد، إذ ليس كل صوتٍ يخلّف صدى، كما أنّ ليس كل أثرٍ دليل حياة؛ فقد يكون أيضًا محض انعكاسٍ بلا روح، دورانًا في فضاء التقليد دون أن يمسّ جوهر الابتكار، حيق تنشأ المفارقة التي يلتقطها العنوان بذكاء: بين صدى يكشف عن أصالةٍ كامنة، وصدى يفضح خواءً مستترًا، فكما أنّ في الطبيعة كائناتٍ تردّد الأصوات دون وعيٍ بمعناها، فإنّ في المجال الثقافي من يكتفي بإعادة إنتاج ما سُمع، دون أن يضيف إليه من ذاته ما يمنحه شرعية البقاء، وفي مقابل ذلك، يبرز الإبداع بوصفه فعلًا مؤسِّسًا، يخلق شروط القول، ويعيد تشكيل العلاقة بين اللغة والتجربة، بين التعبير والحقيقة، وهو الإبداع في هذا السياق، انبثاقٌ من عمقٍ إنساني، يُعيد ترتيب العالم في الذهن، يمنح الأشياء أسماءها من جديد، إنّه القدرة على أن يرى المرء ما لم يُرَ، وأن يقول ما لم يُقَل، عبر إعادة تأويله وتجاوزه في آنٍ واحد، ولذلك، فإنّ ما يُبدع يدخل في حركة تداولٍ حيّة، ويتحوّل مع كل تلقٍّ إلى معنىً إضافي، كأنّه ينمو في الوعي بقدر ما يبتعد عن مصدره الأول.

في هذا الأفق، يغدو «صدى الإبداع» فضاءً لوزن قياس كل إبداع وتمحيصه، إنّه مجالٌ تتمايز فيه التجارب بقدر ما تتقاطع، ويُكشف فيه الفرق بين صوتٍ ينبع من تجربةٍ حقيقيّة، وآخر يستعير نبرته من خارج ذاته، حيث تتجلّى وظيفة البرنامج بوصفه وسيطًا ثقافيًا: بعد بتقديم المحتوى يسهم في إعادة تعريف معايير القيمة، ويضع المتلقّي أمام مسؤولية التمييز بين ما يُقال لأنّه جميل، وما يُبدع لأنّه صادق.

إنّ العنوان، بهذا المعنى، لا يصف البرنامج بقدر ما يؤسّس لرؤيته؛ رؤيةٍ تجعل من الأثر معيارًا، ومن الامتداد دليلًا، ومن القدرة على إحداث صدى حيّ علامةً على أصالة التجربة، والكلمة التي لا تتردّد خارج لحظتها، تبقى حبيسة زمنها، أمّا التي تمتلك طاقة العبور، فإنّها تتحوّل إلى جزءٍ من نسيج الوعي الجمعي، تُستعاد وتُعاد قراءتها، وتظلّ قابلةً لأن تُفهم على نحوٍ جديد في كل مرة.

وهكذا، لا يكون «صدى الإبداع» علة منصة برنامجٍ ثقافي، ممارسةٌ نقديّة مضمرة، تدعو إلى تجاوز الاكتفاء بالاستماع، نحو مساءلة ما يُسمع؛ وإلى الانتقال من استهلاك القول إلى المشاركة في إنتاج معناه، وهو اقتراحٌ ضمنيّ بأنّ الإبداع يُقاس بنوعيّة ما يتركه من أثر، وأنّ الصدى الحقيقي يتجدّد، ليعود مختلفًا، لأنّه لامس في الإنسان ما يجعله يعيد التفكير، لا مجرّد الترديد.

 

Advertisement

المغرب

حميد بركي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version