أخبار

مكناس في رمضان.. عاصمة السلاطين وذاكرة المجد واليقظة

Published

on

نافذة : بقلم حميد عسلاوي

بينما يهل هلال رمضان على مآذن مكناس الشامخة، تنبعث من بين أسوارها العظيمة رائحة التاريخ الذي لم يكن يوما مجرد حكايات تروى، بل كان عملا وبناء ومواقف صلبة. ففي هذه “العاصمة الإسماعيلية”، لم يكن الصيام يوما مدعاة للركون، بل كان وقودا لحركة تاريخية صاغت ملامح المغرب الحديث.

لقد كانت مكناس في عهد مؤسسها العظيم، السلطان المولى إسماعيل، تتحول في رمضان إلى ورشة عمل كبرى؛ حيث كانت الأسوار والقصور التي نباهي بها اليوم تبنى تحت وهج شمس الصيام، في فلسفة فريدة ترى في “الجهاد بالعمارة” عبادة تسمو بها الهمم. هناك، في ساحة “لهديم” وتحت ظلال “باب المنصور لعلج”، استقبلت المدينة وفودا ودبلوماسيين من قارات العالم، لتمزج بين هيبة الدولة وروحانية الشهر الفضيل.

ولم تكن مكناس بأسوارها المنيعة بعيدة عن نبض المقاومة؛ ففي ذاكرة المدينة القريبة، ظل رمضان شاهدا على يقظة أهلها. فمن حلقات العلم بالجامع الأعظم التي كانت تزداد توهجا في هذا الشهر، انطلقت شرارات الوعي الوطني التي واجهت غطرسة المستعمر، خاصة في أعقاب انتفاضة “ماء بوفكران” الخالدة، حيث تحولت صلوات التراويح ومجالس الذكر إلى خنادق فكرية للتحرر والسيادة.

إن رمضان في تاريخ مكناس ليس مجرد طقوس واحتفالات، بل هو استحضار لزمن كانت فيه المدينة قلبا نابضا للدولة، ومركزا لصناعة القرار، ومنارة للعلم. واليوم، ونحن نستقبل هذا الشهر الكريم، حري بنا أن نستلهم من تاريخ مدينتنا تلك الروح التي جمعت بين الإيمان الصادق والعمل الدؤوب، لنعيد لمكناس ألقها الذي يستحقه تاريخها المجيد.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version