Connect with us

أخبار

مكناس مدينة تراوح بين هيبة الماضي وواقع الحاضر

Published

on

 

بقلم حميد عسلاوي

 

تفتح المدينة الإسماعيلية ذراعيها لكل زائر لا كمدينة عابرة في الجغرافيا المغربية، بل كفصل باذخ في كتاب التاريخ، حيث لا يعد الحديث عن مكناس مجرد سرد لاطلال أو استحضار لذكرى سلطان عظيم، بل هو تأمل في كينونة مدينة استطاعت أن تزاوج بين هيبة الماضي وواقع الحاضر في معادلة فريدة من نوعها.

في غابر أزمانها، لم تكن مكناس مجرد نقطة حضرية، بل كانت مشروعا طموحا للسلطان المولى إسماعيل الذي أرادها عاصمة تضاهي كبريات عواصم العالم في القرن السابع عشر، فجاء باب المنصور لعلج شامخا ليشهد على عبقرية المعمار المغربي الأصيل، والأسوار الممتدة تحكي قصص الحماية والمنعة وتطوق المدينة بهالة من الوقار، بينما يظل هري السواني وصهريج السواني شواهد حية على نظام مائي وزراعي كان يسبق عصره بقرون، فقد كانت مكناس في ماضيها مدينة المآذن ومنارة العلم والتجارة حيث تداخلت فيها أصوات المؤذنين بوقع حوافر الخيول في الساحات الفسيحة.

أما اليوم، فمكناس تعيش مخاضا بين الحفاظ على هذا الإرث الثقيل وبين الإنخراط في ركب التنمية الحديثة، فالمدينة الآن ليست مجرد مزار سياحي، بل هي قطب زراعي رائد بفضل الملتقى الدولي للفلاحة الذي جعلها رئة المغرب الخضراء ومركز للإبتكار، ومركزا جامعيا نابضا تضخ فيه جامعة مولاي إسماعيل دماء شابة وعقولا تتطلع للمستقبل، كما نشهد حاليا حركية غير مسبوقة لإعادة الاعتبار للمدينة القديمة لضمان ألا تتحول المعالم التاريخية إلى مجرد ذكريات متآكلة بل إلى فضاءات حية ومنتجة.

إن مكناس لا تحتاج منا اليوم إلى البكاء على الأطلال، بل تحتاج إلى رؤية تدمج الأصالة بالمعاصرة، فهي مدينة تطالب بحقها في تنمية مستدامة تحترم خصوصيتها المعمارية وتوفر لشبابها فرصا اقتصادية تليق بعظمة تاريخها، فمكناس ليست مجرد مدينة بين جدارين بل هي روح مغربية لا تشيخ تهمس لنا في كل زاوية بأن القادم أجمل إذا ما عرفنا كيف نصون الأمانة.

Continue Reading
Advertisement Ad Banner
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *