أخبار
الجاهلية في الدين لا في غيره
الوطنية بريس
حميد بركي
لا يُراد بالجاهلية أنهم كانوا جهلة عقول أو فقراء فكر، فذلك فهم قاصر لمعنى الكلمة، ومجافٍ لحقيقة التاريخ، فقد كان العرب قبل الإسلام أهل حكمة وتجربة، أصحاب رأي وتدبير، عرفوا الكرم والشهامة، وأقاموا للوفاء وزنا، وللكلمة حرمة، بنوا أشعارهم على حكمة مجرَّبة، وصاغوا أقوالهم من معرفة بالحياة والإنسان، وقرأ من قرأ، وكتب من كتب، وتفلسفوا بطريقتهم الخاصة، فكانت الصحراء مدرسة، وكانت التجربة معلما.
منذ أن بدأ الإنسان يروي حكاية نفسه، وهو يضع للأزمنة أسماء، ليميّز بين الطرق والأنوار. ومن أكثر هذه الأسماء التباسا كلمة الجاهلية، التي جرى تداولها حتى ظنها بعضهم مرادفة للفراغ العقلي والقحط الفكري، والحال أن الصحراء التي أنجبت الشعر لا تنجب خواء، والقبائل التي علّقت المعلقات لا تعيش خارج الحكمة.
كان العربي قبل الإسلام ابنا للكلمة، يزنها كما يزن السيف، ويصونها كما يصون العرض، امتلك ذاكرة تحفظ، وبصيرة تميّز، وتجربة تشكّلت عبر الترحال والحروب والصلح والأسواق، جلس للحكم فأنصف، وأجار المستجير، ووفى بالعهد، وأقام للكرم راية، وللشجاعة معنى، وللشعر مقاما يعلو على السيوف، كانت القصيدة يومئذ دستور القبيلة، وكانت الحكمة تُقال موزونة، وتُحفظ كما يُحفظ النسب.
لم تكن تلك المرحلة زمنا بلا علم، ولا طورا بلا فكر، فقد عرف العرب الحساب، وتداولوا التجارة، ونسجوا علاقات مع أمم أخرى، وتأملوا الكون بلغتهم الخاصة، لغة الرمز والإشارة والمجاز، غير أن ما غاب عنهم لم يكن علم الدنيا، وإنما علم الدين، ولم يكن القصور في العقل، وإنما في الوحي، ولم يكن النقص في الفهم، وإنما في الهداية التي تضبط القيم بميزان ثابت، وتجمع ما تفرّق.
من هنا تتضح دلالة الجاهلية بوصفها اسما لحال ديني مخصوص، لا حكما على منجز إنساني، ولا نفيا لما تحقق من أدب وبلاغة وفلسفة حياة، ولو تأملت ما جاء عبر كتب التاريخ الأدبي، وما أشار إلية القرآن الكريم، تجد على أنها هي توصيف لمرحلة سبقت اكتمال الرسالة، مرحلة سارت فيها البشرية بعقولها وتجاربها، تنتج وتبدع، دون أن تكون قد اتصلت بعد بالنور الذي يعيد ترتيب المعنى، ويربط الأرض بالسماء.
ولهذا، حين يكون الحديث في شؤون العقيدة والفقه، يصح القول بالعصر الجاهلي، باعتباره زمنا لم يكن فيه علم الدين قد اكتمل، أما إذا تعلق الأمر بالآداب والشعر واللغة وسائر ضروب الإبداع، فإن الإنصاف يقتضي أن نقول قبل الإسلام وبعد الإسلام، أو نقول على غرار التخفيف، قلبي ، أو قبلُ، أو بعدي، وبعدُ، كما يُقال قبل الميلاد وبعد الميلاد، فصل زمني يدل على التحول لا على الإلغاء، وعلى الامتداد لا على القطع.
فالشعر الذي قيل قبل الإسلام لم يفقد شعريته بنزول الوحي، ولم تُمحَ بلاغته بظهور البيان القرآني، وإنما وُضع في سياقه، واستمر تأثيره، وصار جزءا من الذاكرة الكبرى للسان العربي، لقد جاء الإسلام ففتح أبواب المعنى، ولم يغلق أبواب الحكمة، وجاء ليهدي لا ليصادر، وليهذب لا ليقتلع.
وحين بُعث محمد صلى الله عليه وسلم، بُعث للعالمين، فجاء خطاب الجاهلية خطابا عاما يُراد به حال البشرية قبل اكتمال الهداية، لا توصيفا لأمة بعينها، ولا إدانة لثقافة مخصوصة.
إن الخلط بين الميزان العقدي والميزان الأدبي يشبه الخلط بين النار والنور، كلاهما ضياء، غير أن أحدهما يحرق، والآخر يهدي، فالعقيدة تُقاس بالإيمان، والأدب يُقاس بالجمال، وكل خلط بين الميزانين يفضي إلى قراءة جائرة، تنزع عن الماضي حقه، وتشوّه الفهم باسم التصنيف.
هكذا تقف الجاهلية في الوعي العميق اسما لمرحلة إنسانية سبقت اكتمال الدائرة، مرحلة رأت الأرض ولم ترَ السماء كاملة، حتى جاء الوحي ففتح العين الثانية، فاتسع النظر، واكتملت الرؤية، وفي هذا الفهم، يعود لكل زمن حقه، ولكل لفظ معناه، ويُقرأ التاريخ لا كسجل اتهام، وإنما كسفر طويل من التحول والبحث، من الحكمة الأولى إلى الهداية الكاملة، ومن التجربة الإنسانية إلى الرسالة الكونية.
وممّا يشير إلى أن العرب في العصر الجاهلي، كما يقال، لم يكونوا جهلاء على إطلاق الوصف، أنهم امتلكوا قدرًا كبيرًا من الحكمة والوعي بالحياة، وقد تجلّى ذلك بوضوح في أشعارهم التي عكست خبراتهم وتجاربهم الإنسانية، فقد حمل الشعر الجاهلي معاني أخلاقية عميقة وتأملات ناضجة في شؤون الإنسان والمجتمع.
ويُعدّ زهير بن أبي سُلمى من أهم شعراء العصر القبلي، إذ اتسم شعره بالحكمة والرزانة، وبرزت في أبياته دعوات إلى حسن السلوك وضبط التعامل مع الناس، فهو يحذّر من ذمّ الآخرين لما يترتب عليه من إساءة مقابلة، ويبيّن أن البخل سبب في نفور الناس واستغنائهم عن صاحبه، كما جاء في قوله:
ومَن لم يصانِعْ في أمـــــــورٍ كثيـــــرةٍ … يضرَّسْ بأنيابٍ ويوطَــــــــأ بمَنسِـــــمِ
ومَن يَجعلِ المعروف مِن دون عِرضِه … يَفِرْه ومَـن لا يتَّقِ الشَّتــــــــــمَ يشتــــَمِ
ومَن يكُ ذا فَضْـــــلٍ فيَبخــَلْ بفَضلِـــــه … على قومِهِ يسْتَغْــنَ عنــــه ويذمَـــــــمِ
ويبرز اسم امرئ القيس كذلك في الشعر الجاهلي، حيث عُرف بقدرته الفائقة على تصوير المواقف ونقل المشاعر في قصائده. وقد عبّر في بعض أبياته عن تجربته مع الناس، موضحًا ما لقيه من خيانة الأصحاب وتقلبهم رغم ثقته بهم، فقال:
إِذا نَحن سِرنا خَمسَ عَشرَةَ لَيلَةٍ … وَراءَ الحِساءِ مِن مَدافِعِ قَيصَرا
إِذا قلتُ هَذا صاحِبٌ قَـد رَضيتُهُ … وَقَرَّت بِهِ العَينانِ بدِّلت آخَـــرا
كَذَلِكَ جَدّي ما أصاحِبُ صاحِب … مِنَ الناسِ إِلّا خانَني وَتَغَيَّــــرا
كما عبّر الشاعر كعب بن زهير عن الحكمة من خلال تأمله في القضاء والقدر، موضحًا أن الإنسان قد يسعى وراء أمور لا نصيب له فيها، وأن الأمل يرافق الإنسان ما دام حيًا، غير أن لكل شيء نهاية، ويتضح ذلك في قوله:
لو كنتُ أَعجَبُ مِن شَيءٍ لَأَعجَبَني … سَعيُ الفَتى وَهوَ مَخبوءٌ لَهُ القَـــدَرُ
يَسعى الفَتى لأمورٍ لَيسَ مدرِكَهـــا … وَالنَــفــــــسُ واحِــدَةٌ وَالهَمُّ منتَشـِرُ
وَالمَرءُ ما عاشَ مَمدودٌ لَـهُ أمَـــــلٌ … لا تَنتَهي العَينُ حَتّى يَنتَهي الأَثَـــرُ