أخبار
قراءة في عنوان ديوان لآلئ على بريق التجلي وقصيدة الغلاف للشاعرة أمنية كانوني
الوطنية بريس/ حميد بركي
يتجلّى الديوان بوصفه رؤية فلسفية صوفية عميقة، تتكثّف ملامحها في مستويين متكاملين: عنوان الديوان، الذي يحمل خلاصة فكرية موحية تختزن معناها في «اللآلئ»، بوصفها رمزًا للحكمة المكنونة وبريق التجلي، ثم الأبيات المصاحبة له على الغلاف، وكأنها امتداد دلالي للعنوان، وشرح شعري لما انطوى عليه من إشارات. فتأتي هذه الأبيات كزينة معنوية تتلألأ على ظهر الغلاف، مضيفة إلى العنوان أفقًا من البيان، ومؤكدة أن مضمون الديوان قائم على الحكمة المتجلية في ثوب شعري، حيث يلتقي العمق الفلسفي بالصفاء الصوفي في انسجامٍ دلالي واحد
…
لآلئٌ مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة
على حرف جر
بريقِ اسم مجرور بعلى وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف
التجلّي مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة المقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل
والجار والمجرور في محل خبر المبتدأ
يقدّم عنوان الديوان لآلئ على بريق التجلي عتبة دلالية كثيفة تشتغل بوصفها فضاءً تأمليًا قبل أن تكون تركيبًا لغويًا. فهو لا يكتفي بالإشارة إلى موضوع شعري، وإنما يؤسس منذ البدء لرؤية وجودية قوامها العلاقة بين الجوهر والظهور، وبين الخفاء والانكشاف. فاللآلئ تمثل قيمة كامنة لا تُرى إلا بعد عناء، وكأنها الحقيقة التي لا تمنح نفسها إلا لمن امتلك صبر السؤال وجرأة الغوص. إنها نتاج زمن طويل من التكوّن في العتمة، ما يجعلها رمزًا للمعنى المتخمّر في باطن الذات، بعيدًا عن ضجيج السطح.
ويأتي البريق بوصفه أثرًا وإشارة، انعكاسًا يدل على حضور أعمق. فالبريق لا يُمسك ولا يُحتوى، وإنما يُدرَك عبر الحس والحدس معًا، وهو بهذا المعنى وسيط بين المرئي واللامرئي. أما التجلي فيحمل حمولة فلسفية وصوفية واضحة، إذ يحيل إلى لحظة الكشف التي لا تُصنع بقدر ما تُستقبل، ولا تُفرض فهي تُمنح على قدر عليه العلاقة بين اللآلئ والتجلي علاقة تفاعل، حيث تتحول اللآلئ إلى نقاط كثافة معنوية تتلألأ حين يمر بها نور الكشف، فينتقل الجوهر من الخفاء إلى الدلالة، ويتحوّل الصمت إلى لغة.
وعلى المستوى الصوتي، لا يقل العنوان عمقًا عن مستواه الدلالي، إذ تتواطأ الحروف الكبرى فيه على إنتاج معنى يتجاوز المباشر. فاللام بما تحمله من ليونة وانسياب توحي بالاتصال والاستمرار، كأنها حركة وصل بين المفاهيم، لا تقطع المعنى وإنما تمدّه. وهي في هذا السياق أشبه بجسر لغوي يربط الداخل بالخارج، والذات بالعالم. أما العين فتمثل عمق التجربة، من حيث مخرجها الصوتي الذي يستدعي الجوف والحلق، وكأن النطق بها استدعاء جسدي لفكرة الغور في المعنى. إنها حرف الرؤية الباطنية، العين التي لا تكتفي بالنظر إلى الأشياء، وإنما تنفذ إلى ما وراءها. وتأتي القاف لتمنح العنوان ثقلًا وجوديًا، فهي حرف قوي يضبط الإيقاع ويمنع الذوبان الكامل في التجريد،
منها استعمال الحروف الخاصة كمعادلة رياضية، وهذا ليس بغريب عند العرب إذ يقال أنها اسخدمت أرقاما، فقد وضعوا لكل حرف عددًا يخصه، ومن ذلك { أ=1، ب=2، ج=3، د=4، هـ=5، و=6، ز=7، ح=8، ط=9، ي=10، ك=20، ل=30، م=40، ن=50، س=60، ع=70، ف=80، ص=90، ق=100، ر=200، ش=300، ت=400، ث=500، خ=600، ذ=700، ض=800، ظ=900، غ=1000
اللام “ل” هو الحرف الثالث والعشرون من حروف الأبجدية العربية، وهو مجهور متوسط ومخرجه من طرف اللسان ملتقياً بأصول الثنايا والرباعيات قريباً من مخرج النون، وقيمته (30) حسب نظام حساب الجمل
حرف العَ (يُنطق “عين”) هو الحرف الثامن عشر من الأبجدية العربية . وهو حرف فريد وصعب بالنسبة للعديد من المتعلمين بسبب نطقه العميق والحلقي، والذي يتطلب تضييق الحلق، وبهذا تظل التجربة مشدودة إلى لحظة تحقق، حيث يصبح التجلي واقعة شعورية لا فكرة عابرة.
ومن خلال هذا البناء، يتحول العنوان إلى مشروع قراءة قبل أن يكون تسمية، كآلة من آليات استدراج القارئ إلى تتبع إشاراته، من الصورة إلى الرمز، ومن الرمز إلى السؤال. وكلما ازداد التأمل، تكشفت طبقات جديدة من الدلالة، حتى يبدو العنوان ككائن حي تتغير ملامحه بتغير زاوية النظر. وهنا تتجلى فلسفية العنوان، إذ لا يقدّم الحقيقة بوصفها يقينًا نهائيًا، وإنما يضعها في سياق مسار متحوّل، رحلة بين لؤلؤة وأخرى، وبين ومضة وأخرى من ومضات الكشف.
وهكذا يصبح لآلئ على بريق التجلي صيغة وجودية تختصر تجربة الإنسان في بحثه عن المعنى، حيث لا يُدرك الجوهر إلا عبر إشراقات متقطعة، ولا يكتمل التجلي إلا حين تتجاور الأعماق مع النور. إنه عنوان يراهن على الوعي، ويؤمن بأن اللغة ليست أداة وصف فقط، وإنما وسيلة انكشاف، وأن الشعر، في جوهره، محاولة دائمة لالتقاط اللامرئي وهو يمر خاطفًا على سطح الكلمات
وقد جاء الأبيات بما يلي
لِلشِّعْرِ مَنْزِلَةُ العُشَّاقِ فِي الأُفُقِ
كَالشَّمْسِ فِي غَسَقٍ حَسْنَاءَ فِي شَفَقِ
وَمِنْ لَآلِئِ نَظْمِ الشِّعْرِ رَوْعَتُهُ
عَبْرَ الفَصَاحَةِ، وَالإِبْدَاعِ فِي نَسَقِ
يَسْرِي كَنَسْمَةِ رُوحٍ فِي الدُّجَى عَبِقًا
تَشْدُو القُلُوبَ، وَتُحْيِي الرُّوحَ فِي رَمَقِ
مَا الشِّعْرُ إِلَّا صَدَى الإِحْسَاسِ إِنْ صَدَحَتْ
بِهِ المَشَاعِرُ، مَحْمُولٌ عَفَى عُنُقِي
يَأْتِي كَنَجْمٍ عَلَى الآفَاقِ مُنْسَكِبًا
يَحْلُو إِذَا انْتَظَمَ الإِبْدَاعُ فِي طُرُقِ
نَبْضُ القَصِيدِ إِذَا مَا اسْتُلْهِمَتْ هِمَمٌ
يَهْتَزُّ فِي صَدْحِهِ التَّارِيخُ فِي أَلَقِ
فهي كما عليه العبارة على مرحلتين
الأولى:
القصيدة تحتفي بالشِّعر بوصفه قيمةً روحية وجمالية كبرى، وتمنحه منزلة سامية تشبه منزلة العشق في نفوس المحبين. تبدأ الشاعرة بتشبيه مكانة الشعر في الأفق بمشهد كوني مهيب، فالشعر كالشمس عند امتزاج الغسق بالشفق؛ أي في لحظة توازن بين الظلمة والنور، وهي صورة توحي بالجمال والدهشة والصفاء، كما تعكس أن الشعر يضيء العتمة النفسية ويمنحها ألقًا خاصًا.
ثم تنتقل إلى الحديث عن جوهر الشعر، فترى فيه لآلئ منسوجة بعناية، تكمن روعتها في فصاحتها وإبداعها وانتظامها في نسق متناسق. هنا يبرز الجانب الفني للشعر، حيث لا تكفي المشاعر وحدها، ولا بد من صياغة لغوية رفيعة وبناء متماسك يمنح النص قيمته الجمالية.
وتصف الشاعرة الشعر بأنه يسري في النفس كما تسري نسمة الروح في ظلمة الليل، ناشرًا عبقًا معنويًا لا يُشم بالحواس وإنما يُحَس بالقلب. هذه النسمة تُنشد القلوب، أي تحركها وتطربها، وتُحيي الروح ولو كانت في آخر رمق، في إشارة إلى قدرة الشعر على بعث الحياة والأمل في النفوس المنهكة.
وتؤكد الشاعرة أن الشعر في حقيقته صدى للإحساس، فإذا صدحت به المشاعر الصادقة خرج صافيًا مؤثرًا. فالشعر ليس تكلّفًا ولا زخرفًا فارغًا، وإنما هو حمل وجداني يخرج من الأعماق، حتى كأنه عبء شريف تحمله الشاعرة على عنقها، تعبيرًا عن مسؤولية الكلمة وصدقها.
ثم تعود إلى الصور الكونية، فتشبّه الشعر بنجم ينسكب في الآفاق، فيمنحها ضياءً وجمالًا، ولا يكون هذا الجمال مكتملاً إلا إذا انتظم الإبداع في طرق واضحة، أي إذا سلكت الشاعرة سبل الإتقان والوعي الفني، فالإلهام وحده لا يكفي ما لم يُصَغ في قالب محكم.
وفي الختام، تجعل للقصيدة نبضًا حيًا، فإذا استُلهمت بالهمم العالية والعزائم الصادقة اهتزّ في صداها التاريخ نفسه، وظهر في أبهى حلله. وهذا تعبير عن خلود الشعر الحقيقي، وقدرته على تجاوز اللحظة الزمنية ليصبح أثرًا مشرقًا في ذاكرة الأمم.
القصيدة في مجملها رؤية شاملة للشعر بوصفه إحساسًا صادقًا، وفنًا رفيعًا، ورسالة قادرة على إحياء الروح وصنع الأثر، وقد جاءت لغتها جزلة وصورها سامية تليق بالمعنى الذي تحتفي به
الثانية:
في القصيدة صور بيانية متعددة تتنوع بين التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية، وتعمل جميعها على إبراز مكانة الشعر وعمق أثره.
في قولها لِلشِّعْرِ مَنْزِلَةُ العُشَّاقِ فِي الأُفُقِ مجاز، إذ أُعطيت للشعر منزلة تُشبه منزلة العشاق، وهي منزلة معنوية لا تُقاس بالمكان، فالمقصود رفعة الشعر وسموّه في النفوس.
وفي قولها كَالشَّمْسِ فِي غَسَقٍ حَسْنَاءَ فِي شَفَقِ تشبيه صريح، شُبِّه الشعر بالشمس عند الغروب، وأداة التشبيه الكاف، ووجه الشبه الجمال والضياء وسط العتمة، وهي صورة توحي بأن الشعر نور يظهر في أوقات الظلمة.
وفي عبارة وَمِنْ لَآلِئِ نَظْمِ الشِّعْرِ رَوْعَتُهُ استعارة، حيث شُبِّهت معاني الشعر باللآلئ النفيسة، وحُذِف المشبَّه به ورُمز إليه بلازمه، للدلالة على القيمة والندرة والجمال.
وفي قولها يَسْرِي كَنَسْمَةِ رُوحٍ فِي الدُّجَى عَبِقًا تشبيه، إذ شُبِّه تأثير الشعر بنسمة الروح التي تسري في الظلام، فيوحي باللطف والخفاء والتأثير العميق في النفس.
وفي تَشْدُو القُلُوبَ، وَتُحْيِي الرُّوحَ استعارة مكنية، حيث أُسنِد الغناء والإحياء إلى الشعر، وهما من أفعال الكائن الحي، مما يُبرز قدرة الشعر على التأثير الوجداني.
وفي قولها مَا الشِّعْرُ إِلَّا صَدَى الإِحْسَاسِ استعارة، شُبِّه الشعر بالصدى الذي يردد الصوت، في إشارة إلى أن الشعر انعكاس صادق لما في النفس من مشاعر.
وفي عبارة مَحْمُولٌ عَفَى عُنُقِي كناية عن المسؤولية والالتزام، حيث لم تُذكر المسؤولية صراحة، وإنما أُشير إليها بما يدل عليها.
وفي يَأْتِي كَنَجْمٍ عَلَى الآفَاقِ مُنْسَكِبًا تشبيه، شُبِّه الشعر بالنجم الذي يضيء السماء، للدلالة على الهداية والسطوع والانتشار.
وفي نَبْضُ القَصِيدِ استعارة، إذ شُبِّهت القصيدة بكائن حي له نبض، مما يوحي بالحياة والحركة والتجدد.
وفي يَهْتَزُّ فِي صَدْحِهِ التَّارِيخُ مجاز، حيث أُسند الاهتزاز إلى التاريخ، والمقصود تأثر الأجيال والأزمنة بقوة الشعر وخلوده.
هذه الصور البيانية مجتمعة منحت القصيدة طابعًا وجدانيًا عميقًا، وأسهمت في ترسيخ فكرة أن الشعر كائن حي، نور، ورسالة سامية تؤثر في النفس والزمان.