أخبار

الجهوية الموسعة.. طموح التنزيل و واقع الميدان

Published

on

بقلم حميد عسلاوي

 

يشكل مشروع الجهوية الموسعة ركيزة أساسية في النموذج التنموي الجديد للمملكة، ومحورا لدفع عجلة التنمية المحلية وتقليص التفاوتات المجالية. فمنذ إقراره دستوريا، تم الرهان على نقل ثقل القرار التنموي إلى الجهات، كأقرب مستوى للساكنة وقادرة على تحديد أولوياتها بدقة. ومع ذلك، وبعد مرور سنوات على تنزيل هذا الورش، بدأت تظهر تشققات واضحة في بنيان التجربة.

 

لم تنجح العديد من الأجهزة المنتخبة في تحقيق القفزة النوعية المأمولة، بل ظلت حبيسة صراعات محلية مهدرة للطاقة بدلا من الانخراط في التخطيط الاستراتيجي الفعال.

 

تحدي الكفاءة وسؤال الشرعية

لقد أفرزت صناديق الاقتراع نخبا محلية يفترض بها قيادة سفينة التنمية، لكن الملاحظ هو غياب الفعالية والكفاءة التدبيرية لدى شريحة كبيرة منها. لقد أظهرت التقارير المتعددة صعوبة المجالس المنتخبة في بلورة مخططات تنموية قابلة للتطبيق، أو حتى استثمار الميزانيات المتاحة لها بأقصى درجات النجاعة. وغالبا ما سادت منطق الترضيات الانتخابية الضيقة على حساب الرؤى الاستشرافية التي تخدم مصالح الجهة ككل.

 

في خضم هذا الوضع، جاءت التوجيهات الأخيرة التي تعيد التموقع القوي لـوزارة الداخلية في المشهد التنموي. قد يرى البعض في هذا التوجه “انتقاصا” من دور المنتخبين أو تجميدا لمسار اللامركزية. لكن، يجب النظر إلى الأمر من زاوية مغايرة: فهل من المنطقي أن تقف المؤسسات العليا للدولة مكتوفة الأيدي أمام تعثر متكرر يؤدي إلى اتساع الفجوة بين المناطق ويعمق الشعور بـالظلم الترابي؟

 

إن التدخل الحالي للإدارة المركزية، عبر هياكلها وكفاءاتها، لا ينبغي أن يفسر كاستيلاء على صلاحيات المجالس الترابية. إنه أشبه بـآلية تصحيحية وإطار رقابي صارم، يسعى لضمان أن يكون الإنفاق العام موجها بكفاءة ووفق الأهداف الوطنية الكبرى. إن الإدارة تعمل كصمام أمان إجرائي، يسعى لتنظيم وتوجيه العمل التنموي نحو مسارات أكثر انضباطا وشفافية، خاصة في الجوانب المالية والتقنية الدقيقة.

Advertisement

 

يمكن قراءة هذه العودة للإدارة باعتبارها مرحلة انتقالية وضرورية لـ”إعادة التأسيس”؛ هدفها توفير أرضية قوية ومنظمة قبل الانطلاق بفعالية أكبر في تفويض الصلاحيات.

 

التجربة أثبتت أن المشكل لم يكن في النصوص القانونية الغائبة، بل في ضعف الأداء وغياب الجدية عند بعض الفاعلين المحليين في استغلال المتاح لديهم. الإدارة اليوم تسعى لحماية هذا الورش الوطني من الانهيار المبكر نتيجة سوء التدبير.

 

و لتحقيق النجاح المنشود للجهوية الموسعة، يجب تجاوز منطق التنازع والخصومة بين المركز والمحيط. إن مستقبل التنمية المستدامة يتوقف على بناء تكامل فعلي للأدوار المركزية في تكامل مع الجهوية .

 

فالدولة تحدد الرؤى الاستراتيجية الوطنية، وتوفر التمويلات الكبرى للمشاريع المهيكلة، وتضمن معايير الحكامة والنزاهة في الصرف.

 

فيما المجالس المنتخبة تركز على الابتكار في التنفيذ، والتكيّف مع الخصوصيات المحلية، وتحمل المسؤولية السياسية الكاملة أمام قواعدها الانتخابية عن نتائج التنمية على أرض الواقع.

 

إن الهدف ليس إقصاء المنتخب، بل تمكينه وتأطيره ليكون فاعلا تنمويا حقيقيا ، بعيدا عن حسابات التوازنات الحزبية. إن هذه اللحظة تمثل دعوة صريحة للنخب المحلية لرفع مستوى الأداء، والانتقال من جهوية التناحر إلى جهوية التشارك البناء والمسؤول.

Advertisement

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version