أخبار

بوح متأخر

Published

on

قراءة بسيطة في قصيدة بوح متأخر للدكتور الشاعر والناقد سعيد أخي

بقلم حميد بركي

 

 

بمناسبة عيد المرأة العالمي

بوح متأخر

 

ليثني شربت من كأسها

ليثني دخلت قلبها

وسمعت صوتها البارد

كان ممكنا

ساعتها كان ممكنا

Advertisement

أن يتحول الثلج

أن يرحل الصقيع

أن أوقد نار، شراييني

أن أبوح بكلماتي

كانت راغبة … ولكن

شيء بداخلي يمناع

كان رعديدا متحسرا

مترددا .

ليثني شربت من كأسها

وانتشيت.

في لحظات الشوق إليها

ضيعتني سنون

Advertisement

مرّت كصوت النسيم

وكحد السيف مرت

وأنتِ ……

تترفلين في عطر الثوب

في كبرياء الضياء

وأنا في الغياب رسمت

كهفا تحفه الوحشة.

ولما عدت إلى نفسي

سألت عني ، ما وجدتني

ليثني شربت من كأسها

كان ليلي بهيما و كانت

مسافاتي

Advertisement

لظى …

ها أنا ذا ، أرسم خطوة

أحبو إلى كأسها ،استأذنها

رشفة واحدة هل تقبلين

توقفي ، لحظة، أراك بعيدة

ها أنت الآن تمانعين

السعيد أخي

 

يحمل عنوان النص «بوح متأخر» دلالة سيميائية واضحة فـ بوحٌ مبتدأ مرفوع يدل على الاعتراف الصادق بما في الداخل أما متأخر متأخرًا بعد فوات اللحظة المناسبة ومن هنا يضع العنوان القارئ أمام فكرة أساسية هي أن المشاعر بقيت صامتة زمنًا طويلًا حتى أصبح الإفصاح عنها بلا جدوى

يبدأ الشاعر بالتمني في قوله «ليتني شربت من كأسها» فـ ليتني حرف تمنٍ والياء اسمها وشربتُ فعل ماضٍ يدل على فعل لم يقع وإنما يُستحضر بصيغة الندم أما الكأس فهي علامة سيميائية ترمز إلى الحب أو القرب العاطفي وكأن الشاعر يتحسر على فرصة لم يستطع اغتنامها ويتكرر المعنى نفسه في قوله «ليتني دخلت قلبها» حيث قلبَها مفعول به منصوب وهو رمز للحميمية والدخول إلى عالم الآخر الداخلي

ثم تظهر دلالة البرودة في قوله «سمعت صوتها البارد» حيث جاء البارد نعتًا للصوت وهي علامة تشير إلى مسافة عاطفية أو تحفظ في العلاقة ويتأكد ذلك في قوله «أن يتحول الثلج أن يرحل الصقيع» فالثلج والصقيع فاعلان في جمل فعلية غير أن حضورهما رمزي أكثر منه واقعي إذ يشيران إلى الجمود العاطفي الذي كان الشاعر يتمنى أن يذوب لذلك يواصل تمنيه في قوله «أن أوقد نار شراييني أن أبوح بكلماتي» حيث نارَ مفعول به منصوب والنار هنا تقابل الثلج فهي علامة الحياة والدفء والجرأة

غير أن هذا التحول لم يحدث بسبب عائق داخلي يتجلى في قوله «شيءٌ بداخلي يمنع» حيث شيءٌ مبتدأ مرفوع ويمنع جملة فعلية في محل خبر هذا الشيء غير محدد لغويًا لكنه واضح دلاليًا إنه الخوف أو التردد ويتضح ذلك أكثر في العبارة «كان رعديدًا متحسرًا مترددًا» حيث رعديدًا خبر كان منصوب وهي صفة تحمل دلالة الجبن أو ضعف الجرأة العاطفية

Advertisement

بعد ذلك ينتقل النص إلى دلالة الزمن الضائع في قوله «ضيعتني سنون مرّت كصوت النسيم وكحد السيف مرت» فسنون فاعل ومرّت فعل ماضٍ التشبيه الأول كصوت النسيم يوحي بسرعة مرور الزمن وخفته بينما التشبيه الثاني كحد السيف يوحي بالألم والجرح وهكذا يجمع الزمن في النص بين السرعة والوجع في آن واحد

في المقابل تتجلى صورة المرأة في قوله «وأنتِ تترفلين في عطر الثوب في كبرياء الضياء» حيث أنتِ مبتدأ وتترفلين خبر في صورة فعل مضارع هذه الصورة تحمل علامات الجمال والسمو فالعطر رمز للجاذبية والضياء رمز للنقاء والصفاء أما الكبرياء فيدل على الكرامة والقوة وهكذا تتشكل صورة المرأة بوصفها فضاءً من النور يقابله ظلام الشاعر الداخلي

هذا الظلام يتجسد في قوله «وأنا في الغياب رسمت كهفًا تحفه الوحشة» حيث كهفًا مفعول به وتحفه الوحشة جملة تصف الكهف الكهف هنا رمز للعزلة والانطواء وكأن الشاعر بنى حول نفسه عالمًا مغلقًا بسبب تردده وعدم قدرته على البوح في الوقت المناسب

وحين يعود إلى ذاته يقول «ولما عدت إلى نفسي سألت عني ما وجدتني» حيث عدتُ فعل ماضٍ والتاء فاعل ووجدتني فعل وفاعل ومفعول به هذه العبارة تحمل دلالة ضياع الهوية فالتأخر في التعبير عن المشاعر أدى إلى اغتراب الشاعر عن نفسه

وفي نهاية النص يحاول الشاعر استعادة اللحظة الضائعة في قوله «ها أنا ذا أرسم خطوة أحبو إلى كأسها أستأذنها رشفة واحدة هل تقبلين» فخطوةً ورشفةً مفعولان بهما لفعل الطلب غير أن هذا الطلب يأتي متأخرًا لذلك تنتهي القصيدة بإشارة إلى الرفض في قوله «ها أنت الآن تمانعين» حيث تمنعين فعل مضارع يدل على الامتناع

وهكذا يكشف النص عبر شبكة من الرموز مثل الكأس الثلج النار الكهف عن تجربة إنسانية عميقة قوامها التردد والندم فالتأخر في البوح جعل الحب يتحول إلى ذكرى وجعل الشاعر يعيش بين رغبة متأخرة وواقع لم يعد يقبل العودة

 

حميد بركي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version