أخبار
الفتنة شر و وباء على الفرد والمجتمع
بقلم حميد عسلاوي
موضوع الفتنة من المواضيع التي يجب مدارستها واستخراج العبرة منها والإفادة من الحلول الناجعة لمعالجتها، أما التغاضي والتغافل عن مدارستها فهو أمر جد خطير وشر مستطير، فالإسلام حرص كل الحرص من خلال نصوص الوحيين قرآنا وسنة على تنبيه المسلم إلى الفتن، وذكر علاماتها ومقدماتها وأزمانها وأماكنها وأناسيها بأوصافهم وأحوالها وأهدافها ليكون المسلم على بينة مما يثار فلا يفاجأ بشرها ولا يغتر بما يروجه الفتانون.
وقد تعددت تعاريف علماء اللغة حول كلمة فتنة وإن كانت المعاني متقاربة حسب السياق الذي جاءت فيه. فالجوهري في الصحاح عرفها بقوله: (الفتنة الامتحان والاختبار، تقول فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر جودته)، ويسمى الصائغ الفتان لأنه يفتن الذهب والفضة بالنار ليميز الرديء من الجيد.
والفتنة من الأفعال التي تكون من الله تعالى ومن العبد، كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب وغير ذلك من الأفعال الكريهة، فما كان من الله فيكون على وجه الحكمة، وما كان من الإنسان بغير أمر الله فيكون بالطيش والسفه والجهل.
والناس ليسوا سواسية أمام الفتنة واستعدادهم لاستقبالها، فهم معادن اتجاهها، فمنهم من يفتن نفسه بنفسه، ومنهم من يفتن غيره، أي فتنة الناس بعضهم بعضا، وهذا هو مربط الفرس في هذه النافذة، فقد جرت سنة الله الكونية أن يفتن الناس بعضهم ببعض، وهذا النوع ينقسم إلى قسمين: قسم من قبيل الاختبار والبلاء كافتتان المسلم بالكافر والعكس، والغني بالفقير والعكس، والضعيف بالقوي والعكس. وقسم يسعى في الأرض فسادا فيفتن الناس بالفتنة النائمة فيثير بذلك التفرقة والإفساد في الأرض وعدم الأمن والاستقرار.
فنعمة الأمن من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده، فبلد يعيش أهله التفرقة وإشاعة الفتن والاضطراب لا ينعمون بالسعادة والاستقرار، ولذا نجد في القرآن الكريم كيف امتن الله عز وجل على أهل مكة بهذه النعمة العظيمة في سورة قريش، قال تعالى : (( لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ))، فقوله لإيلاف أي ائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين زيادة على ما حباهم من هيبة ومكانة في قلوب سائر القبائل العربية بحيث أنهم ينظمون رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام فيرجعون سالمين غانمين إلى بلد الله الحرام، لكنهم بعد عتوهم وتكذيبهم وجحودهم الرسالة المحمدية أذاقهم الله لباس الجوع والخوف كما قال تعالى : (( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون )). وذلك لما كفروا بأعظم نعمة وهي بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فدعا عليهم بسبع سنوات قاسية كسبع يوسف فأصابتهم سنة شدة حتى أكلوا وبر البعير. من ثم تعامل الشرع مع الفتن أولا بمنهج وقائي قبل وقوعها، فحذر منها قال تعالى : (( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب )). يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: ( يحذر الله تعالى عباده المؤمنين فتنة أي اختبارا ومحنة يعم بها المسيء وغيره ولا يخص بها أهل المعاصي ولا من باشر الذنب بل تعم الجميع ) وكذلك حذر منها رسولنا صلى الله عليه وسلم كحديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل ولا يدري المقتول على أي شيء قتل )).
وعلى هذا وجب على المسلم أن يحتاط لأمره فيبتعد ما أمكنه عن دائرة الفتن ولا يقربها ويختلط بأهلها، ولا يستشرفها أي يتطلع لها، فمن تطلع لها تطلعت له وأقبلت عليه، وإذا أقبلت جاءت في صورة شابة فتية فدمرت كل بناء وسفكت الدماء حتى إذا أدبرت أدبرت عجوزا شمطاء. فالعالم بما أوتي من نور يرى قدومها ونتائجها، وأما الجاهل فلا يعرف حقيقتها حتى إذا ولت ندم على ما فرط في حق أهله وحق وطنه.