أخبار

ما هي سمات الأستاذ الناجح

Published

on

 

 

بقلم: الأستاذ إدريس عابر ـ مراكش

 

من خلال تجربتي كأستاذ في التعليم الابتدائي، قضيت خمسا وثلاثين سنة داخل الفصل، توصلت إلى قناعة راسخة، وهي أن الأستاذ المبدع هو الذي يعتبر القسم قاعة مسرح.

فالقسم مسرح، والتلاميذ هم الجمهور، والأستاذ هو الممثل. وإذا أدرك الأستاذ هذه الحقيقة، نجح في أداء رسالته، وإذا اعتبر نفسه مجرد موظف إداري جاء لتنفيذ مقرر، فشل، ولو كان يملك أعلى الشهادات.

*أولا: الأستاذ ممثل بارع*

لا يمكن لممثل أن يدخل خشبة المسرح بوجه عابس ويطلب من الجمهور أن يتفاعل معه. وكذلك الأستاذ، لا يمكنه أن يدخل القسم متجهما ويطلب من التلاميذ أن يحبوا الدرس.

والجمهور يحتاج من الممثل ثلاثة عناصر أساسية كنت أعتمد عليها طوال مسيرتي:

*1. الحركة:* الأستاذ الذي يظل جالسا خلف مكتبه طوال الحصة يقدم نشرة أخبار مملة. أما الأستاذ الناجح فهو الذي يتحرك بين الصفوف، ويستعمل جسده في الشرح، ويكتب على السبورة بحيوية، ويمثل المشهد بيده وجسده. الحركة هي التي تمنح القسم الحياة.

*2. الصوت:* ليس كل الكلام يقال بنبرة واحدة. فمرة أرفع صوتي لإيقاظ الانتباه، ومرة أخفضه حتى يصمت الجميع ليستمعوا إلى فكرة مهمة، ومرة أقلد أصوات الشخصيات في الحكاية. هذا التنويع في الصوت هو الذي يطرد الملل ويجذب الانتباه.

*3. الابتسامة الدائمة:*

Advertisement

وهي سر الأسرار. كنت أردد دائما شعارنا: مع حركات الروح، الكلمة تفوح. الابتسامة هي التي تمنح التلميذ الشعور بالطمأنينة والأمان. فالتلميذ الخائف لا يتعلم. وعندما يشعر التلميذ بأن أستاذه يحبه، فإنه يحب مادته. حينها يسود الحب بين الطرفين، وتتحقق الرسالة التعليمية التربوية بكل يسر.

*ثانيا: الأستاذ لا يدرس المادة فقط، بل يدمج التوعية والتحسيس في دروسه*

وهذا هو الجانب الآخر الذي يجب ألا يغفل عنه الأستاذ الناجح.

فهناك فرق بين أستاذ يقول: هذا حرف الألف، وبين أستاذ مبدع يقول: هذا حرف الألف، كرجل مستقيم يحترم قانون السير ولا يقطع الضوء الأحمر.

يجب على الأستاذ أن يدمج التوعية والتحسيس في الدروس بطريقة فنية وذكية:

– أثناء درس التعبير الكتابي، يمكن تمرير رسالة حول التربية الطرقية واحترام إشارات المرور.

– أثناء درس التربية الإسلامية حول النظافة، يمكن التحدث عن الحرص على نظافة الأماكن العمومية والخاصة، وعدم رمي الأزبال، وعدم البصق في الشارع.

– أثناء درس الحوار والتواصل، يمكن غرس قيمة احترام الآخرين، وعدم التنمر، واحترام الرأي المختلف.

بهذه الطريقة نكون قد حققنا هدفين في حصة واحدة: هدفا معرفيا مرتبطا بالمقرر، وهدفا تربويا مرتبطا بالحياة.

*ثالثا: الأستاذ الناجح يلقن الفنون خارج البرنامج الدراسي*

إن البرنامج الدراسي وحده يصنع تلميذا حافظا، لكن الفن هو الذي يصنع إنسانا مبدعا ومتوازنا.

لذلك، لا يجب أن ننسى تلقين الفنون للتلاميذ في أوقات خارج البرامج الدراسية، كالمسرح والرسم والحكاية والنشيد والنكتة التربوية.

Advertisement

وهنا يأتي دور الإدارة التربوية في تخصيص نصف يوم دراسي لا تكون فيه دراسة أكاديمية، بل يكون مخصصا للأنشطة الفنية والتربوية والترفيهية. وهذا ما أصبحنا نراه اليوم في تجربة المدرسة الرائدة، وهي فكرة كنت أنادي بها منذ سنوات طويلة.

فإذا قام الأستاذ المبدع بالتعاون مع الطاقم الإداري للمؤسسة في هذا الاتجاه، نكون قد وصلنا إلى الهدف المنشود، وهو بناء شخصية متكاملة للتلميذ.

*خاتمة*

بعد خمس وثلاثين سنة من العمل في القسم، أقول لزملائي الأساتذة الشباب:

لا تبحثوا عن النجاح في المذكرات المنمقة والمطبوعة. ابحثوا عنه في عيون تلاميذكم.

إذا دخلتم القسم وأنتم تمثلون بحب، وتتحركون بحب، وتتكلمون بحب، وتبتسمون بحب، ودمجتم دروسكم بالتوعية وبالتربية على المواطنة وبالفن، فاعلموا أنكم لستم مجرد أساتذة، بل أنتم صناع أجيال، وأنتم ممثلون في مسرح الحياة الكبير.

وأنا فخور بأنني كنت هذا الممثل لمدة خمس وثلاثين سنة.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version