أخبار
رؤية الأم للزمن
بقلم الأستاذة: فاطمة بوفوطا
تُمثّل إشكالية “الزمن” أفقًا تحليليًا مركزيًا في الفكر الإنساني؛ فبينما يُقاس الزمن الفيزيائي بانتظام دقات الساعة والتتابع الخطي، تتعدد أبعاد “الزمن النفسي والاجتماعي” وتتباين باختلاف التجربة الإنسانية. وفي هذا السياق، تطرح “رؤية الأم للزمن”تجربة وجودية وفريدة؛ حيث يُعاد تشكيل الوعي بالزمن ليتجاوز التتابع الميكانيكي نحو زمن مركب يعتمد على الإيقاع الوجداني، العطاء المترابط، والاستثمار المستقبلي في النمو الإنساني.
التحول المفهومي – من “الزمن الخطي” إلى “الزمن الدائري والوجداني”
في الأدبيات النفسية والاجتماعية، يعيش الفرد الغارق في المتطلبات اليومية ضمن لزمن الخطي (Linear Time) والذي يتسم بالاتجاه الواحد نحو العد التنازلي والإنتاج المادي. غير أن تجربة الأمومة تُحدث تحولاً بنيويًا في هذا الإدراك:
الزمن الدائري والإيقاعي (Cyclical & Rhythmic Time):
تتحدد رؤية الأم للزمن عبر إيقاعات متكررة تحاكي دورات الحياة الطبيعية؛ من تلبية الحاجات الأساسية للطفل، ومراعاة فترات النمو والتحول، إلى متابعة المحطات العمرية المتتالية. لا يعود الوقت مجرد أرقام في التقويم، بل يغدو إيقاعًا من الرعاية المتجددة.
الزمن الوجداني (Affective Time):
تتحكم حالة الطفل وتطوره في إدراك الأم لسعة الوقت أو ضيقه؛ فلحظات الألم أو الخطر تُكثّف اللحظة وتجعل اللحظة الواحدة تبدو كدَهر، بينما تتلاشى الحدود الزمنية المادية أثناء لحظات التناغم والنمو والتواصل التعاطفي.
الأبعاد النفسية – تكثيف الحاضر وصناعة المستقبل
تتشكل البنية النفسية لرؤية الأم للزمن من خلال ثلاث آليات رئيسية:
الامتداد عبر الآخر (Transcendence through the Child):*
تتجاوز الأم نرجسية الزمن الذاتي؛ حيث يرتبط زمنها الخاص بشكل وثيق بنمو طفلها واستقلاليته. يُصبح المستقبل بالنسبة لها ليس مساحة لإنجازاتها المنفردة فحسب، بل أفقًا مفتوحًا لاكتشاف قدرات أبنائها وإعدادهم لمواجهة الحياة.
الزمن البنائي والتربوي (Pedagogical Time):
تدرك الأم الزمن باعتباره “مساحة للغرس والرعاية” بدلاً من كونه مجرد سباق. إنها تتعامل مع الزمن بمنطق الصبر والاحتضان؛ حيث يتطلب البناء النفسي والتربوي وقتًا غير متسارع، يقوم على التكرار الحنون والإرشاد التراكمي.
المرونة وتعدد المهام النفسية (Polychronic Awareness):
تعيش الأم حالة من الوعي الزمني المتعدد؛ فهي تستحضر ماضي الطفل للتعلم منه، وتستوعب حاضره لتلبية احتياجاته، وتخطط لمستقبله في آنٍ واحد. هذا التداخل يجعل الام تركز حالة من الوعي بين ذرات الزمن تجربة إنسانية ممتدة تشبه وتتناهى مع تيار وتدفق الحياة.
ولتستفيد المراة من هذه الطاقة التي تسكن الازمنة لا تحتاج لتكون اما بيولوجية. يمكنها ان تكون اما لنبض الانسانية في التفاصيل الصغيرة.
فاطمة بوفوطا