أخبار
العمر والعمق الإنساني
فاطمة بوفوطا
أستاذة اللغة والتواصل والمهارات الحياتية
جامعة القاضي عياض
لا يقاس العمر البشري بعدد الدورات التي تقطعها الأرض حول الشمس، بل بالبصمات التي يتركها الزمن في البنية العصبية والنفسية للفرد. إن ما نطلق عليه مجازا “أثر السنين” هو في حقيقته توثيق مادي ونفسي لمسار الحياة، يتجسد في التغيرات الجسدية والنضج الوجداني.
1. أرشيف التجاعيد: الذاكرة الجسدية للزمن
تتطابق التجاعيد والتحولات الفيزيولوجية مع مفهوم الذاكرة العصبية والخلوية؛ فليالي السهر والمسؤوليات المستمرة تحفز استجابات إجهاد مزمنة تنعكس على الجلد وتجدد الخلايا. غير أن هذه العلامات ليست مجرد علامات تراجع بيولوجي، بل هي أرشيف صامت يختزل تاريخ التكيف البشري. فالمرونة النفسية والقدرة على الصمود في وجه الأزمات تترك آثاراً لا تمحى، محولة الجسد إلى خريطة حيّة للمحطات التي عبرها الإنسان.
2. الشيب كشهادة عبور
يعد ظهور الشيب نتيجة لتناقص خلايا الميلانين بفعل التقدم في العمر والتوجه التأكسدي الناتج عن الضغوط المتراكمة. ومن منظور علم النفس التنموي، يمثل هذا التحول علامة فارقة على الانتقال من مراحل السعي الخارجي وإثبات الذات إلى مرحلة التكامل والقبول. إنه شهادة ملموسة على أن الفرد قد خبر التعب والسقوط والنهوض، مما يعزز لديه الشعور بالاستمرارية والهوية المتماسكة.
3. اقتصاد الانتباه والسلام الداخلي
تشير دراسات علم النفس العصبي المرتبطة بمرحلة النضج إلى تحول جذري في بؤرة الاهتمام المعرفي والعاطفي؛ حيث يتراجع السعي المحموم خلف إعجاب الآخرين والمظاهر السطحية. يحل محل ذلك ما يُعرف بـ **التنظيم الانفعالي**، وهو قدرة أعلى على إدارة المشاعر، وتقليل الانخداع بالمؤثرات الخارجية، والتركيز على السلام الداخلي. في هذه المرحلة، يصبح الصمت أداة معالجة عميقة تتيح للإنسان إعادة ترتيب ذكرياته، وأحلامه التي تحققت أو تلك التي تعثرت، في إطار تصالح شامل مع الحياة ومع هدايا العمر ومع البدايات المشرقة كل صباح…
> “أجمل انتصار ليس أن تهزم أحدًا… بل أن تصل إلى مرحلة تستطيع فيها أن تنظر إلى نفسك في المرآة وتقول: لقد فعلتُ ما استطعت، لم أكن كاملًا، لكنني كنتُ صادقًا.”