أخبار

بين صمت الحكومة وسباق الانتخابات… هل أصبحت إدارة الأزمات خارج أولويات الفاعلين السياسيين؟

Published

on

بقلم: محمد بوفوطا

 

بتنا اليوم، أكثر من أي وقتٍ مضى، في أمسِّ الحاجة إلى لحظةِ مكاشفةٍ وطنيةٍ صادقة؛ لحظةٍ تُرفع فيها الأقنعة، وتستعيد فيها المصلحةُ العامة أولويةَ الاعتبار فوق الحسابات الحزبية والانتخابية الضيقة. فما بلغت أمةٌ مراتبَ النهوض بإنكار أخطائها، ولا شقَّت طريقها نحو التقدم بالهروب إلى الأمام، وإنما ترتقي الدول حين تمتلك مؤسساتُها شجاعةَ المواجهة، وصدقَ الشفافية، والإرادةَ الصلبة لإدارة الأزمات بدل الالتفاف عليها.

وفي هذا السياق، يثير تزامن الحركة المكثفة للعبور نحو سبتة مع احتفالات عيد العرش جملةً من التساؤلات المشروعة حول دلالات هذا التزامن وكيفية التعاطي معه. وليس المقصود من إثارة هذه التساؤلات الانسياق وراء التأويلات أو استباق النتائج، بقدر ما هو التأكيد على أن حق المواطنين في المعلومة الدقيقة لا يحتمل التأجيل، ولا ينبغي أن يظل رهين الفراغ. فحين تتأخر الحقيقة، لا يبقى الفراغ فارغًا، وإنما تملؤه الشائعات، وتتنازعُه الروايات، ويغدو التأويل بديلًا عن البيان، والظنُّ بديلًا عن اليقين.

إلى متى سيظل الصمتُ الحكومي هو الموقفَ الغالب إزاء هذه الأزمة؟ وهل يُعقل أن يُترك فراغُ المعلومة ليفتح الباب أمام التأويلات والشائعات؟ إن الأزمات لا تُدار بالصمت، ولا تُعالج بالتردد، ولا تُحتوى بالرهان على النسيان، وإنما تُواجَه بتواصلٍ مؤسسي واضح، وصادق، ومسؤول، وفي الوقت المناسب. فالمعلومةُ الرسمية إذا تأخرت لم تُبقِ الفراغَ فارغًا، بل ملأته التأويلات، وتنازعته الشائعات، واختلطت فيه الحقائق بالأوهام.

وفي الوقت الذي صدرت فيه توضيحاتٌ من الجانب الإسباني بشأن تطورات الأزمة، وواكبها حضورٌ إعلامي دولي لافت، رأى كثيرون أن التواصل الرسمي الداخلي لم يكن بالمستوى الذي فرضته طبيعة الحدث، وهو ما وسَّع دائرة التساؤلات وأفسح المجال لتعدد الروايات. وفي مثل هذه الظروف، يفرض سؤالٌ مشروع نفسه بإلحاح: هل يُعقل أن يبحث المواطن عن حقيقة ما يجري في وطنه خارج حدوده، بينما ينتظر من مؤسساته أن تكون المصدر الأول للمعلومة والأسبق إلى البيان؟

وهنا يبرز الدور المحوري للجهات الحكومية المعنية بالتواصل وإدارة الأزمات؛ فالتواصل في لحظات الأزمات ليس ترفًا إعلاميًا، ولا خيارًا يمكن تأجيله، بل هو مسؤوليةٌ سياسية ومؤسسية وركنٌ أساسي من أركان الحكامة الجيدة. وكل تأخر في تقديم المعلومة الدقيقة يترك المجال مفتوحًا أمام الإشاعات، ويُضعف قدرة الخطاب الرسمي على طمأنة الرأي العام، ويقوض الثقة التي تُعد رأس المال الحقيقي لأي دولة في أوقات الأزمات.

ولعل ما يثير القلق أكثر هو أن هذا الارتباك في تدبير التواصل يتزامن مع احتدام الاستعدادات للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بما يفرض سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل أصبحت إدارة الأزمات خارج أولويات بعض الفاعلين السياسيين، أم أن رهانات المنافسة الانتخابية بدأت تطغى على مقتضيات التدبير المسؤول للشأن العام؟ فحين تستأثر الحسابات السياسية بالمشهد، ويغيب التواصل الفعال في لحظات تستوجب الوضوح والمبادرة، تتسع الفجوة بين المؤسسات والمواطنين، وتتراجع الثقة في الخطاب الرسمي. والحال أن المسؤولية السياسية لا تُقاس بمهارة إدارة الحملات الانتخابية، وإنما تُقاس، قبل كل شيء، بحسن إدارة الأزمات، وسرعة اتخاذ القرار، والقدرة على مصارحة المواطنين بالحقائق.

وإذا كان القصد من الصمت تجنب الجدل أو احتواء تداعيات الأزمة، فإن التجارب تؤكد أن غياب التواصل لا يؤدي إلا إلى اتساع دائرة التأويل، وتنامي الإشاعات، وتراجع الثقة. ومن هنا جاء ما يصفه البعض، على سبيل المجاز، بـ “سياسة النعامة”؛ إذ إن تجاهل الأزمة لا يؤدي إلى احتوائها، بل قد يزيدها تعقيدًا، بينما تقتضي الإدارة الرشيدة المبادرة، والشفافية، وسرعة الاستجابة، ووضوح القرار.

وإذا كانت هذه الأحداث تعبّر عن ظاهرةٍ تتجاوز بعدها الأمني أو الظرفي، فإنها تفرض وقفةً وطنيةً صادقة لتقييم السياسات العمومية، ومساءلة مدى قدرتها على صون الثقة، وتجديد الأمل، والاستجابة لتطلعات المواطنين. فالأزمات ليست مجرد أحداثٍ عابرة، بل هي مرايا تعكس مكامن القوة والخلل في السياسات العامة، وتختبر مدى نجاعة المؤسسات في الاستجابة للتحديات. والدول التي تُحسن قراءة الإشارات المبكرة لا تجعل من الأزمات سببًا للإنكار أو التبرير، بل منطلقًا للمراجعة، والتقويم، والتصحيح، وإعادة ترتيب الأولويات. فالحكمة في إدارة الدول لا تكمن في الادعاء بأن كل شيء على ما يرام، وإنما في امتلاك شجاعة الاعتراف بمواطن الخلل، والإرادة الصادقة لمعالجتها قبل أن تستفحل؛ لأن الوقاية السياسية والإدارية أقل كلفةً من معالجة الأزمات بعد تفاقمها.

إن ثقة المواطنين لا تُبنى بالشعارات الفضفاضة، ولا تُصان بالصمت أو التجاهل، وإنما تُرسَّخ بالشفافية، واحترام الحق الدستوري في الحصول على المعلومة، وسرعة التفاعل، والمبادرة إلى التواصل كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك. فالأوطان لا تُبنى بحجب الوقائع أو تجميلها، وإنما بترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، وجعل الحقيقة الرسمية المرجع الأول للمواطن.

إن الدولة القوية لا تخشى الحقيقة، ولا ترى في المصارحة مصدرًا للضعف، بل تجعل منها أساسًا لبناء الثقة، وتعزيز التلاحم الوطني، وترسيخ مصداقية مؤسساتها. فحين يعلو صوت الحقيقة تنحسر الإشاعة، وحين يسبق البيان الرسمي الروايات المتداولة تستعيد المؤسسات ثقة المواطنين، ويغدو الحوار العام قائمًا على الوقائع لا على الظنون.

Advertisement

وفي النهاية، فإن الأزمات لا تنتظر انتهاء المواسم الانتخابية، وثقة المواطنين لا تحتمل التأجيل، والدول لا تُقاس بقوة خطابها في أوقات الرخاء، وإنما بكيفية إدارتها للأزمات في لحظات الاختبار. فالتاريخ لا يخلّد من أحسنوا إدارة الحملات الانتخابية، بل يخلّد من امتلكوا شجاعة القرار، وصدق المصارحة، ونزاهة التواصل، وجعلوا المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. فالأوطان تُبنى بالحقائق قبل الشعارات، وبالعمل قبل الأقوال، وبالثقة التي لا تنشأ إلا من الشفافية، والمساءلة، وتحمل المسؤولية

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version