أخبار
من دروس التاريخ أن الوحدة تبني والقبلية تهدم
الوطنية بريس
حميد بركي
الأمم لا تبنى بالقبائل ولا تنهض بالانقسامات فهي تقوم على وحدة المجتمع وتكامل مكوناته ولذلك كانت الدول التي استطاعت ان تؤسس حضارة مستقرة هي التي جعلت الانتماء للوطن والدولة فوق كل انتماء ضيق وقد شهد التاريخ الاسلامي والمغربي ان لحظات القوة كانت دائما مرتبطة بوحدة العرب والامازيغ وسائر المكونات لا بتصارعها،
فالاندلس على سبيل المثال، لم تبلغ ذروة قوتها الا عندما استطاع قادتها تجاوز العصبيات القيسية واليمنية وجمع العرب والامازيغ تحت راية واحدة وعندما عادت العصبيات القبلية انهارت الدولة وتفرقت ممالك الطوائف فكان ذلك من اعظم اسباب سقوطها¹
وكذلك الدولة العباسية لم تستطع ان تؤسس واحدة من اعظم الحضارات في التاريخ الا حين جمعت العرب والفرس وسائر الشعوب الاسلامية في مشروع حضاري مشترك يقوم على الكفاءة والعلم لا على العرق والقبيلة فازدهرت العلوم والاقتصاد والسياسة حتى صارت بغداد عاصمة العالم²
وفي المغرب قامت الدولة الادريسية ثم المرابطية ثم الموحدية ثم الدولة العلوية على تحالف القبائل العربية والامازيغية وعلى تجاوز الانقسامات المحلية من اجل بناء دولة قوية تحفظ الامن والاستقرار ولم يكن الانتماء العرقي يوما سببا في قوتها، إلا عند وحدتها، وتلك مصدر شرعيتها واستمرارها³
ويرى عالم السياسة بندكت اندرسون ان الامة ليست رابطة دم وانما مجتمع سياسي متخيل يجمع الناس حول تاريخ ومؤسسات ومصير مشترك ولذلك فان تحويل الاختلافات الثقافية الى صراعات سياسية يهدد كيان الدولة نفسها⁴ ويؤكد صمويل هنتنغتون ان المجتمعات المنقسمة على اسس الهوية تصبح اكثر عرضة للتدخلات الخارجية واستغلال الخصومات الداخلية⁵ كما يرى فرانسيس فوكوياما ان الثقة الاجتماعية والهوية الوطنية الجامعة هما اساس بناء الدولة الحديثة بينما تؤدي سياسات الهوية الضيقة الى اضعاف المؤسسات ونشر الانقسام⁶
ومن هنا فان الدعوة الى التفريق بين العربي والامازيغي لا تخدم الا دعاة الانقسام لان المغرب صنعه الجميع وشارك في بنائه العرب والامازيغ والصحراويون وسائر مكوناته وكان سر قوته دائما في وحدته لا في تعدد اصول ابنائه فالامازيغية والعربية ليستا هويتين متصارعتين، فهما جناحان لهوية مغربية واحدة وكل خطاب يجعل احدهما في مواجهة الاخر انما يفتح بابا للفرقة ويمنح الخصوم فرصة لاضعاف المجتمع
ولهذا فان المستقبل لا يبنى باحياء العصبيات ولا بتغليب الانتماءات الضيقة، فالأصل بناء مواطنة جامعة يكون فيها الجميع شركاء في الوطن متساوين في الحقوق والواجبات لان قوة المغرب كانت وستظل في وحدة شعبه وتنوعه المتكامل لا في انقسامه
الهوامش
١ ابن خلدون المقدمة فصل العصبية والدولة
٢ مارشال هودجسون مغامرة الاسلام The Venture of Islam
٣ عبد الله العروي مجمل تاريخ المغرب
٤ بندكت اندرسون الجماعات المتخيلة Imagined Communities
٥ صمويل هنتنغتون صدام الحضارات واعادة تشكيل النظام العالمي The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order
٦ فرانسيس فوكوياما الهوية Identity The Demand for Dignity and the Politics of Resentment
حميد بركي