أخبار
الله الله يا عيساوة حين تتحول الإيقاعات الصوفية إلى لغة عالمية للهوية والتنمية
الوطنية بريس
محمد الحمدوشي
في غمرة احتفالات مهرجان عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية، تستيقظ ذاكرة العاصمة الإسماعيلية مكناس على إيقاع روحاني عابر للأزمنة، وتتحول الفضاءات التاريخية خلال أيام المهرجان إلى مسرح مفتوح تمتزج فيه الموسيقى بالذكر، والذاكرة بالتاريخ، والإنسان بالمكان. إنها لحظات، تشعر الزائر أن المدينة لا تحتفل بمهرجان فني فحسب، بل تستعيد جزءا أصيلا من روحها، وتعيد تقديمه للعالم في صورة تليق بعراقة المغرب وغنى تراثه الثقافي والروحي.
لقد تجاوز هذا المهرجان، في دوراته المتعاقبة، مفهوم التظاهرة الفنية الموسمية، ليصبح مشروعا حضاريا يهدف إلى صون أحد أبرز مكونات التراث اللامادي المغربي، وإبراز مكانته في المشهد الثقافي الوطني والدولي. فهو يجسد رؤية ملكية حكيمة تجعل من الثقافة رافعة للتنمية، ومن التراث وسيلة لتعزيز الهوية، ومن الفن لغة للحوار بين الشعوب.
فمن قلب مدينة مكناس، حيث تتجاور المعالم التاريخية بالزوايا العريقة، تنبعث رسالة مفادها أن الثقافة ليست ترفا، بل استثمار في الإنسان، وأن الهوية ليست استحضارا للماضي فقط، بل أساسا لبناء المستقبل وجسرا نحو غد مشرق وجميل.
مكناس… مدينة تستثمر في ذاكرتها
ليست كل المدن تملك تاريخا، وليست كل المدن التي تمتلك تاريخا عريقا قادرة على تحويله إلى مشروع للمستقبل، غير أن مكناس نجحت في أن تجعل من ذاكرتها الثقافية والروحية رصيدا للتنمية والإشعاع. فقد أدركت أن التراث ليس مجرد صفحات في كتب التاريخ، بل رأسمال حي يمكن أن يسهم في تنشيط الاقتصاد، وتعزيز السياحة، وترسيخ الانتماء، وإبراز الشخصية الحضارية للمدينة.
ويرتبط هذا الاختيار بخصوصية مكناس نفسها، فهي المدينة التي احتضنت ضريح الملك العظيم المولى إسماعيل الذي بنى أسوارها وشيد معالمها وجعلها عاصمة لإمبراطورية مترامية الأطراف، ومقام الشيخ الكامل سيدي محمد بن عيسى، مؤسس الطريقة العيساوية في القرن السادس عشر، ومنها انطلقت هذه الطريقة الصوفية لتنتشر في مختلف ربوع المغرب، قبل أن تعبر إلى بلدان المغرب العربي وإفريقيا، ثم إلى عدد من الدول الأوروبية بفضل الجاليات المغربية.
وقد قامت الطريقة العيساوية منذ نشأتها على قيم الذكر، والمحبة، والتزكية، وخدمة المجتمع، فشكلت إحدى المدارس الروحية التي أسهمت في ترسيخ نموذج الإسلام المغربي القائم على الوسطية والاعتدال والتسامح.
وهكذا تلتقي بمكناس هيبة الدولة، بعمق الروح، ويجتمع التاريخ السياسي مع التاريخ الثقافي والديني في مشهد يمنح مكناس شخصية متفردة بين الحواضر المغربية
ومن هذا المنطلق، لم يكن اختيار مكناس لاحتضان هذا المهرجان مجرد استحضار لماض مجيد، بل تأكيدا على استمرار رسالة حضارية وروحية ما تزال حاضرة في وجدان المغاربة.
من المحلية إلى العالمية
لم يبق التراث العيساوي حبيس الزوايا والأزقة العتيقة بمكناس، بل انطلق في رحلة امتدت عبر القرون، حمله الشيوخ والمريدن والرحالة إلى مختلف جهات المغرب، ثم إلى الجزائر وتونس وليبيا… وغيرها من البلدان، قبل أن يجد له موطئ قدم في عدد من العواصم الأوروبية، حيث حافظت الجالية المغربية على هذا الموروث، وجعلت منه وسيلة للتعريف بالثقافة المغربية.
ويعود هذا الانتشار إلى قدرة التراث العيساوي على الجمع بين الأصالة والانفتاح. فهو متجذر في البيئة المغربية، لكنه يحمل قيما إنسانية مشتركة، تقوم على المحبة، والتسامح، والتعايش، والذكر، وهي قيم تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا، وتجعل من هذا التراث رسالة روحية وثقافية تخاطب الإنسان أينما كان.
ومن هنا، لم يكن اختيار اسم “مهرجان عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية” اختيارا عفويا، بل يعكس رؤية ثقافية واضحة، قوامها جعل التراث المغربي في حوار مع الثقافات الأخرى، وتقديم الايقاعات العيساوية باعتبارها أحد مكونات موسيقى العالم، القادرة على بناء جسور التواصل بين الشعوب، وإبراز غنى الهوية المغربية وانفتاحها.
التراث اللامادي رافعة للتنمية والهوية
يشهد العالم اليوم تحولا في نظرته إلى التراث، فلم يعد ينظر إليه باعتباره مجرد موروث ينبغي حفظه داخل المتاحف أو الأرشيفات، بل أصبح رصيدا استراتيجيا يساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن هذا المنظور، يندرج مهرجان عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية ضمن رؤية حكيمة تجعل من التراث اللامادي محركا للإبداع، وعنصرا فاعلا في التنمية المحلية.
فكل دورة من دورات المهرجان تعيد الحياة إلى الفضاءات التاريخية لمكناس، وتمنح الفنانين والباحثين والصناع التقليديين والفاعلين الاقتصاديين فرصة للإسهام في مشروع جماعي، يربط بين الثقافة والاقتصاد، وبين الذاكرة والمستقبل. وهكذا، يتحول التراث من مادة للاحتفاء إلى قوة اقتراحية قادرة على خلق القيمة المضافة، وتعزيز جاذبية المدينة، وترسيخ مكانتها باعتبارها إحدى أهم الحواضر الثقافية والروحية بالمغرب.
إن مكناس، وهي تعيد اكتشاف رأسمالها اللامادي، تقدم نموذجا يؤكد أن المدن التي تحسن استثمار تاريخها، هي الأقدر على صناعة مستقبلها. فصون التراث لا يعني التوقف عند الماضي، وإنما توظيفه في بناء الحاضر واستشراف الغد، بما يجعل الثقافة ركيزة أساسية للتنمية المستدامة والإشعاع الحضاري.
مهرجان يستمد قوته من روح التصوف
إذا كانت الإيقاعات العيساوية بما تحمله من أنغام الغيطة وإيقاعات الدفوف أول ما يشد انتباه الزائر، فإن حقيقة هذا الموروث أعمق بكثير من مظهره الفني. فعيساوة لم تنشأ في الأصل كفرجة موسيقية، بل تأسست مدرسة للتربية الروحية والسلوك القويم، جعلت من الذكر وتزكية النفس وخدمة الإنسان ركائز لمشروعها الإصلاحي. ولذلك، فإن فهم مهرجان عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية يقتضي العودة إلى هذه الجذور التي منحت هذا التراث قدرته على البقاء والتجدد عبر أكثر من خمسة قرون.
لقد أسس الشيخ الكامل سيدي محمد بن عيسى طريقته على الجمع بين العلم والعمل، وبين العبادة وخدمة المجتمع، فكانت الزاوية العيساوية فضاء لتعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية، ومركزا لنشر قيم الأخلاق والتسامح، كما اضطلعت بأدوار اجتماعية مهمة، من خلال مساعدة المحتاجين، وإيواء عابري السبيل، والإصلاح بين الناس، وترسيخ ثقافة التضامن والتكافل… ومن هنا، فإن الحديث عن عيساوة هو حديث عن مؤسسة روحية وثقافية واجتماعية، أسهمت في تكوين الشخصية المغربية وفي ترسيخ أحد أبرز تجليات التدين المغربي المعتدل.
ولعل من أبرز أسباب استمرارية هذا التراث أنه ظل وفيا لجوهره الروحي، مع انفتاحه في الوقت نفسه على متغيرات العصر. فقد انتقل من فضاءات الزوايا والمواسم إلى المسارح والمهرجانات، دون أن يفقد هويته أو رسالته، وهو ما جعل العيساوية نموذجا حيا للتراث اللامادي الذي لا يعيش في المخطوطات وحدها، بل في ذاكرة الناس وممارساتهم اليومية، وفي المناسبات الدينية والاجتماعية التي ما تزال تحتفي بهذا الفن في مختلف جهات المملكة.
من الحضرة إلى خشبات المسارح تجديد يحافظ على الأصالة
نجح مهرجان عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية في تقديم هذا التراث بروح معاصرة، دون أن يفرط في أصالته. فهو لا يكتفي بإحياء الحضرات والإنشاد التقليدي، بل يقدمهم في إطار فني احترافي يحترم خصوصية الموروث العيساوي، ويجعله قريبا من جمهور واسع يضم الباحثين، وعشاق الموسيقى الروحية، والسياح، والشباب الباحث عن اكتشاف مكونات الهوية المغربية.
وقد أسهم اختيار فضاءات تاريخية مثل ساحة الهديم، وقصر المنصور، وصهريج السواني، ودار الجامعي… في منح المهرجان طابعا استثنائيا، إذ لا يقتصر العرض على الأداء الموسيقي، بل يصبح المكان نفسه جزءا من الحكاية. فبين الأسوار العتيقة والمعالم التاريخية، تتناغم أصوات المنشدين مع ذاكرة المدينة، فتتحول مكناس إلى فضاء ثقافي مفتوح، تتلاقى فيه العمارة والتاريخ والموسيقى والروح في مشهد يجسد غنى التراث المغربي.
مقامات وإيقاعات عالمية
يحمل إسم المهرجان دلالة تتجاوز الجانب الفني، فهو يعبر عن رؤية تؤمن بأن الثقافة المغربية قادرة على محاورة ثقافات العالم من موقع الاعتزاز بالهوية والانفتاح على الآخر. “فمقامات وإيقاعات عالمية” ليست مجرد عنوان، بل إعلان عن مشروع ثقافي يجعل من الموسيقى لغة للتواصل الإنساني، ويؤكد أن الاختلاف الثقافي يمكن أن يكون مصدرا للإبداع والتقارب.
ومن هنا، يحرص المهرجان على استضافة فرق وفنانين من بلدان مختلفة، ليجتمع الجميع حول لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة، هي لغة الإيقاع واللحن والجمال. وفي هذا اللقاء، لا تذوب الخصوصيات الثقافية، بل تتكامل، فيقدم كل شعب جزءا من ذاكرته الفنية، بينما يقدم المغرب تراثه العيساوي باعتباره أحد أبرز تعبيرات هويته الحضارية.
إن هذا الحوار الثقافي ينسجم مع التاريخ المغربي، الذي تميز عبر العصور بانفتاحه على الحضارات المختلفة، واستيعابه للتنوع الثقافي والديني، وهو ما جعل من المملكة فضاء للتعايش والتلاقح الحضاري. ولذلك، فإن المهرجان لا يروج للموسيقى وحدها، بل يقدم صورة المغرب بوصفه وطنا يحتضن التنوع، ويؤمن بأن الثقافة قادرة على بناء الجسور حيث تعجز السياسة أحيانا.
المهرجان تجسيد للقوة الناعمة المغربية
أصبحت الثقافة في عالم اليوم إحدى أهم أدوات القوة الناعمة، إذ تقاس مكانة الدول ليس فقط بما تمتلكه من إمكانات اقتصادية أو عسكرية، بل أيضا بما تملكه من رصيد حضاري وقدرة على التأثير في الوجدان الإنساني. وفي هذا السياق، يبرز مهرجان عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية باعتباره نموذجا مغربيا ناجحا لتوظيف التراث في خدمة الإشعاع الثقافي.
فمن خلال هذا الموعد السنوي، يقدم المغرب للعالم جانبا من شخصيته الحضارية، القائمة على الاعتدال، والتسامح، والانفتاح، واحترام التنوع. كما يتيح للباحثين والفنانين والإعلاميين فضاء لتبادل التجارب والخبرات، ويجعل من مكناس محطة ثقافية تستقطب المهتمين بالتصوف، والموسيقى الروحية، والتراث اللامادي من داخل المغرب وخارجه.
ولا تقتصر أهمية المهرجان على التعريف بالعيساوية، بل تمتد إلى إبراز مكانة الثقافة المغربية في المشهد الدولي، وإلى ترسيخ صورة المغرب كبلد استطاع أن يحافظ على أصالته، وهو ينفتح بثقة على العالم، ويجعل من تراثه وسيلة للحوار والتفاهم بين الأمم والشعوب.
التراث مسؤولية الأجيال الجديدة
إن استمرارية أي تراث مرهونة بقدرته على الوصول إلى الأجيال الصاعدة، ولذلك يولي المهرجان أهمية خاصة للأنشطة الفكرية والتكوينية، من ندوات علمية وورشات تربوية ولقاءات مفتوحة، تجعل الشباب شريكا في حماية هذا الإرث، لا مجرد متلق له.
فصون التراث لا يتحقق بحفظ الألحان والآلات الموسيقية وحدها، وإنما بنقل القيم التي يحملها، وفي مقدمتها المحبة، والتسامح، وروح الجماعة، واحترام التنوع. وعندما يتعرف الشباب على هذه القيم، ويستوعبون عمقها الحضاري، يصبحون أكثر قدرة على مواصلة حمل هذه الرسالة إلى المستقبل.
وهكذا، تؤكد التجربة العيساوية أن التراث الحي ليس ما يروى عن الماضي فحسب، بل ما يظل قادرا على الإلهام والتجدد، وما ينجح في بناء جسور متينة بين الأجيال، وبين المحلي والعالمي، ليبقى رافدا من روافد الهوية المغربية، وعنوانا من عناوين إشعاعها الثقافي.
حين تتضافر الجهود تتحول الثقافة إلى رافعة للتنمية والإشعاع
لم يعد نجاح المهرجانات الثقافية في القرن الحادي والعشرين يقاس بعدد السهرات الفنية أو بحجم الجمهور الذي يتابعها، وإنما بقدرتها على إحداث أثر مستدام في محيطها الثقافي والاجتماعي والاقتصادي. ومن هذا المنطلق، يقدم مهرجان عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية بمكناس تجربة مغربية رائدة، لأنه استطاع أن يحول التراث اللامادي إلى مشروع تنموي متكامل، يجمع بين الحفاظ على الهوية، وتنشيط الاقتصاد، وتعزيز المكانة الثقافية للمدينة.
وقد أثبتت التجربة المكناسية أن الثقافة لا تزدهر بجهود فردية، وإنما تحتاج إلى رؤية مشتركة تجمع مختلف الفاعلين حول هدف واحد، هو جعل التراث رافعة للتنمية. فبفضل مجهودات السيد عامل عمالة مكناس الذي يعتبر الأب الروحي لمهرجان عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية، و بفضل انخراط السلطات المحلية، والجماعات الترابية، والمؤسسات الثقافية، والجامعات، وجمعيات المجتمع المدني، والشركاء الاقتصاديين والإعلاميين، أصبح المهرجان موعدا سنويا ينتظره عشاق الفن والتراث من داخل المغرب وخارجه.
ولم يقتصر هذا التعاون على الجوانب التنظيمية، بل شمل أيضا البعد العلمي والثقافي، من خلال الندوات واللقاءات الفكرية التي سلطت الضوء على تاريخ الطريقة العيساوية، وأدوار الزوايا في ترسيخ قيم الوسطية والتضامن، وإسهامها في الحفاظ على التوازن الروحي والاجتماعي داخل المجتمع المغربي. وهكذا، جمع المهرجان بين متعة الفرجة وعمق المعرفة، ليقدم نموذجا متكاملا للاحتفاء بالتراث.
حين تتحول المدينة إلى مسرح للذاكرة
من أبرز عناصر تميز المهرجان أنه لا ينعزل داخل القاعات المغلقة، بل يخرج إلى قلب المدينة، لتصبح مكناس بكل فضاءاتها التاريخية مسرحا مفتوحا للثقافة. ففي ساحة الهديم، وأمام باب المنصور، وبصهريج السواني، وبين أروقة دار الجامعي وفضاءات المدينة العتيقة، تتناغم أصوات الحضرات مع جمال المعمار، فتولد تجربة فريدة يشعر فيها الزائر أن التاريخ نفسه يشارك في الاحتفال.
إن هذا التوظيف الذكي للفضاءات التاريخية يمنح المهرجان بعدا حضاريا خاصا، ويعزز العلاقة بين التراث المادي والتراث اللامادي، حيث تتحول المعالم التاريخية من شواهد صامتة على الماضي إلى فضاءات تنبض بالحياة والإبداع، بما يرسخ مكانة مكناس كمدينة للثقافة والتاريخ.
الثقافة في خدمة الاقتصاد المحلي
لم تعد الثقافة نشاطا رمزيا منفصلا عن الاقتصاد، بل أصبحت اليوم أحد محركات التنمية المستدامة. ويجسد مهرجان عيساوة هذا التحول بوضوح، إذ تنعكس حركيته على مختلف القطاعات الاقتصادية، فتشهد الفنادق ودور الضيافة ارتفاعا في نسب الإقبال، كما تنتعش المطاعم والمقاهي ووسائل النقل والأسواق التقليدية، ويزداد الطلب على المنتجات المحلية٦ والصناعات الحرفية.
ويستفيد الصناع التقليديون بدورهم من هذه الدينامية، من خلال تسويق منتوجاتهم التي تشمل الأزياء التقليدية، والآلات الموسيقية، والمصنوعات الجلدية والنحاسية والخشبية، وهو ما يساهم في دعم الحرف الموروثة، وتشجيع الصناع على مواصلة نقل خبراتهم إلى الأجيال الجديدة.
وهكذا، يثبت المهرجان أن الاستثمار في الثقافة ليس إنفاقا استهلاكيا، بل استثمارا منتجا يخلق فرصا اقتصادية، ويعزز التنمية المحلية، ويمنح المدينة إشعاعا يتجاوز حدودها الجغرافية.
السياحة الثقافية بوابة لاكتشاف مكناس
يشكل المهرجان أيضا فرصة لتعزيز السياحة الثقافية، التي أصبحت من أكثر أنماط السياحة نموا في العالم. فآلاف الزوار الذين يقصدون مكناس لحضور العروض الفنية يجدون أنفسهم أمام مدينة غنية بمآثرها التاريخية، وأسواقها العريقة، وزواياها، وحدائقها، وصناعاتها التقليدية.
وخلال أيام المهرجان، تتحول زيارة مكناس إلى رحلة متكاملة، يلتقي فيها الزائر بفن عيساوة، ويزور ضريح السلطان العظيم المولى إسماعيل وضريح الشيخ الكامل سيدي محمد بن عيسى، ويتأمل روعة باب المنصور وصهريج السواني، ويكتشف جمال المدينة العتيقة… بما يجعل المهرجان بوابة للتعريف بمختلف المؤهلات التاريخية والسياحية التي تزخر بها العاصمة الإسماعيلية.
نحو رؤية مستقبلية لصون التراث العيساوي
لقد نجح مهرجان عيساوة في إعادة الاعتبار لهذا الموروث العريق، غير أن المحافظة عليه تظل مسؤولية مستمرة تستوجب تطوير آليات التوثيق والتثمين. ومن أبرز التحديات المطروحة اليوم، إنشاء أرشيف وطني يوثق الحضرات والألحان والآلات الموسيقية والوثائق التاريخية المرتبطة بالطريقة العيساوية، وتشجيع البحث الأكاديمي في مختلف أبعادها الدينية والاجتماعية والفنية.
كما يفرض العصر الرقمي الانفتاح على وسائل حديثة لحفظ هذا التراث، عبر إنتاج أفلام وثائقية، ومنصات إلكترونية، ومكتبات رقمية، ومحتويات سمعية بصرية موجهة إلى الأجيال الجديدة، بما يضمن استمرارية هذا الإرث، ويعزز حضوره على الصعيدين الوطني والدولي.
ويظل الرهان الأكبر هو جعل التراث العيساوي عنصرا حيا ومتجددا، قادرا على مواكبة التحولات الثقافية، مع الحفاظ على أصالته وروحه، حتى يظل شاهدا على غنى الشخصية المغربية وتنوعها.
حين تصدح الحناجر بنداء “الله… الله… يا عيساوة”، لا يكون المشهد مجرد احتفاء بموروث موسيقي عريق، بل إعلانا عن انتصار الذاكرة على النسيان، وتجديدا للعهد مع تاريخ صنع هوية المدينة، وأسهم في تشكيل جانب من الشخصية الثقافية للمغرب.
لقد استطاعت مكناس أن تقدم من خلال مهرجان عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية نموذجا ناجحا في كيفية تحويل التراث اللامادي إلى مشروع ثقافي وتنموي، يجمع بين الأصالة والتجديد، وبين حفظ الذاكرة والانفتاح على المستقبل. وهكذا، لم تعد نداءات “الله الله يا عيساوة” مجرد أهزوجة ترددها الحضرات، بل أصبحت عنوانا لمدينة تعرف قيمة تراثها، وتؤمن بأن الثقافة، حين تصان وتثمن، تتحول إلى قوة ناعمة، وإلى رافعة للتنمية، ورسالة حضارية تحملها مكناس ويحملها المغرب إلى كل العالم بثقة وفخر واعتزاز.