أخبار

بين طموح التنمية وضجيج العرقلة.. ملاعب البناء لا تُشيّد بالتشويش

Published

on

نافذة بقلم /حميد عسلاوي

​تأتي المصادقة الرسمية لمجلس جهة فاس-مكناس على رصد أزيد من 600 مليون درهم لبناء “الملعب الكبير بمكناس” لتؤكد مجدداً، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن الرياضة في المفهوم الحديث لم تعد مجرد أنشطة ترفيهية عابرة أو ممارسات هامشية تُترك تركيزها للمناسبات، بل أضحت مُدخلاً رئيسياً من مداخل التنمية المستدامة، وعصبًا حيويًا في بنية الاقتصاد المعاصر.

إن هذا المشروع الضخم يمثل رافعة اقتصادية قادرة على إحداث تحول نوعي في الجاذبية المجالية للجهة ككل، وإعادة تموقع الحاضرة الإسماعيلية بصفة خاصة؛ حيث يسهم هذا الاستثمار الهيكلي في تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية، وضخ دماء جديدة في شرايين القطاعات المرتبطة به، فضلاً عن توفير فرص شغل واعدة ومتنوعة للشباب، وفتح آفاق جديدة للاستثمار في البنيات التحتية والخدماتية الموازية.

​إلا أن هذا التحول التنموي الطموح، والمليء بالآمال والوعود المستقبلية، يتزامن في مفارقة لافتة وسياق مشحون بالعديد من المستجدات القانونية والتدبيرية التي شهدتها الساحة الجهوية مؤخراً، والتي كان آخرها وأبرزها قرار القضاء الحاسم بحفظ الشكاية الموجهة ضد رئيس مجلس الجهة.

وهذا التزامن المثير للجدل لا ينبغي أن يمر دون قراءة واعية، بل إنه يضعنا بشكل مباشر أمام معطيات أساسية وخلاصات جوهرية تستوجب التأمل والتحليل العميق، لعل أولاها تتجلى في فهم الأبعاد الحقيقية للرياضة كقاطرة للتنمية الجهوية؛ فالاستثمار في البنية التحتية الرياضية، وعلى رأسها هذا الملعب الكبير، لا يمكن بأي حال من الأحوال عزلُه عن الرؤية الاستراتيجية الشاملة والمخططات التنموية للمنطقة، إذ باتت المنشآت الرياضية الكبرى بمثابة منصات استراتيجية لجذب الاستثمارات الخارجية وتنشيط السياحة الرياضية والثقافية عبر احتضان تظاهرات وطنية وقارية ودولية كبرى، وهي كفيلة أيضاً بتأهيل الرأسمال البشري وإدماج الطاقات الشابة وتوجيهها نحو النسيج الاقتصادي والاجتماعي، بما يضمن في نهاية المطاف تحقيق العدالة المجالية وإعطاء مكناس المكانة الوازنة التي تستحقها كقطب تنموي متكامل ومستدام.

​وفي المقابل، يقودنا هذا التحليل إلى المحور الثاني والمتمثل في ضرورة تحصين المؤسسات الدستورية والمنتخبة، والتمييز الصارم بين النقد البناء والتشويش العقير؛ فمن الواضح أن نجاح هذه المشاريع المهيكلة والضخمة يفرض بالضرورة مواكبة نقدية مستمرة، ورقابة مجتمعية وإعلامية يقظة، لكن شتان ما بين النقد البناء والمواطِن الذي ينطلق من الغيرة على المصلحة العامة فيسعى لتصحيح المسارات وتجويد القرارات وطرح البدائل والحلول الواقعية، وبين التشويش الممنهج والمعارك الوهمية الكيدية التي تفتعلها بعض الجهات بهدف شل حركة المؤسسات المُنتخبة وعرقلة سيرها الطبيعي، وهي ممارسات هدامة لا تنتج شيئاً سوى استهلاك زمن التنمية الثمين وبث الإحباط وضرب منسوب ثقة المواطن في تدبير الشأن العام ونزاهة الفاعلين.

​وتأسيساً على ذلك، يتضح جلياً أن القضاء، بحسمه الحازم للملفات والشكاوى التدبيرية، يمنح المؤسسات المُنتخبة الحصانة القانونية والاستقرار المؤسساتي والنفسي اللازم للمضي قدماً بثبات في تنزيل المشاريع المهيكلة وإنجاز الأوراش المفتوحة، فالأجهزة التدبيرية لا يمكنها الاشتغال بفعالية تحت مقصلة الابتزاز والادعاءات الواهية.

واليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تحتاج جهة فاس-مكناس إلى تظافر جهود جميع الفاعلين من سلطات، ومنتخبين، ومجتمع مدني، وإعلام مسؤول؛ لأن الملاعب الكبرى، والمشاريع التنموية الحقيقية، والرهانات المستقبلية لبلادنا تُبنى أولاً بالثقة المتبادلة، وتتحقق بفضل روح المسؤولية والجرأة في اتخاذ القرار، ولا يمكن لها أبداً أن تشيّد أو تثمر في أجواء مشحونة بالتشويش الممنهج، وحروب الورق ، وضجيج المنصات الرقمية.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version