أخبار
*كفة الميزان تميل للطبيعة: إعادة قراءة أزمة المناخ*
ياسين بركي
أستاذ التاريخ والجغرافيا
مهتم بالعلاقة الجدلية بين الإنسان والبيئة
تُعد القضايا البيئية من أعقد وأهم قضايا العصر الحالي، لأنها تدمج في دراستها ذلك “الخيط النابض” الذي يربط بين البُعد البشري والطبيعي والاقتصادي والاجتماعي. وحيث لا يمكن فصل أحدها عن الآخر، فإن تعريف البيئة – الشامل والمختصر معاً – هو: كل ما يحيط بالإنسان؛ من الكواكب والنجوم والتضاريس والحيوانات وحتى الإنسان نفسه.
لكن الإشكال الجوهري الذي تطرحه هذه القضايا هو: من يؤثر في الآخر ومن المتأثر؟
هل الإنسان هو الفاعل، فتكون التغيرات المناخية نتاج أفعاله؟ أم أن البيئة هي المؤثرة، فتحتم على الإنسان التأقلم معها، ولا دخل له في التغيرات المناخية الحاصلة على كوكب الأرض؟
وقبل الإجابة، يفرض السؤال الوجودي نفسه: من وُجد أولاً؟ فإن سَبق الإنسانُ محيطَه، أجبره على التأقلم. وإن سَبقته البيئة، تأقلم هو معها.
وهنا تستحضرنا الآية الكريمة كما جاء في قوله تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، لتؤكد أن الإنسان مُستخلَف في الأرض وأصلُه منها. وعليها تتمحور مكونات البيئة: اليابسة بسهولها وجبالها وغاباتها، والماء ببحاره وأنهاره، والغلاف الجوي بغازاته، وكل ذلك جزء من كون شاسع من كواكب ونجوم ومجرات.
ومن هذا المنطلق، يتضح أن الكائن البشري هو آخر من التحق بركب مكونات البيئة، وهي أقدم منه وأقوى وأكثر تأثيراً. وقد أجمع علماء الجيولوجيا والمناخ على أن الإنسان في بداياته الأولى اضطر للتأقلم مع الطبيعة التي فرضت عليه نمط عيش يختلف باختلاف الموقع الجغرافي، بل جعله التأقلم يغير من طبيعة تفكيره وغذائه، حتى لون بشرته. وهذه آية من آيات الله في التكيف.
فلا تجد الجليد الدائم في الصحاري الحارة، ولا أشجار النخيل في القطبين المتجمدين، ولا البطاريق في الصحراء… لكنك تجد الإنسان في كل مكان: عند الأودية، وعلى سفوح البراكين، وفي القطبين، وفي البراري والسهوب. يتأقلم ويحاول تغيير ملامح محيطه، لكن محاولته تبقى محدودة أمام جبروت الطبيعة.
وهنا نصل إلى جوهر أطروحة هذا المقال: إن التغيرات المناخية التي نشهدها اليوم ليست بالدرجة الأولى من صنع الإنسان، بل هي سُنة كونية فرضتها الطبيعة نفسها عبر العصور الجيولوجية. فالأرض تعيش حالياً في أواخر العصر “الهولوسيني”، وهو عصر بين جليدي دافئ يتميز بتراجع الغطاء الجليدي في القطبين.
وحسب ما أجمع عليه علماء الجيولوجيا، فإن الأرض تدور في دورات مناخية كبرى: عصر جليدي يغطي فيه الجليد مساحات شاسعة ويختفي معه جزء من الصحارى، يليه عصر بين جليدي دافئ تتراجع فيه الثلوج. ونحن اليوم نقف في المرحلة الانتقالية بينهما، وهي مرحلة بطبيعتها تعرف اضطرابات مناخية حادة: موجات حر، فيضانات، جفاف، إلى أن يستقر المناخ مع دخول العصر الجليدي القادم.
والدليل على نسبية تأثير الإنسان يكمن في موازنة القوى: فالانبعاثات الغازية الناتجة عن النشاط البركاني المستمر على مدار الساعة، من قبيل بركاني “إتنا” في إيطاليا و”كيلاويا” في هاواي، تضخ في الغلاف الجوي كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون والكبريت والرماد البركاني بشكل يومي.
ومن هنا يتضح أن الانبعاثات الغازية الناتجة عن النشاط البركاني المستمر منذ ملايين السنين، والصادرة من جبال بركانية يفوق حجمها حجم المدن الصناعية بأكملها، تفوق بكثير مجمل ما تضخه مصانع الإنسان الحديثة العهد في بضعة قرون. وهذه المقارنة تضع بصمة الإنسان الصناعية في كفة ميزان حساس أمام قوى الأرض التي تعمل منذ نشأتها.
كما أن للأرض قدرة ذاتية على استعادة توازنها. ولولا هذه الآلية لما صمدت الحياة أمام الكوارث الجيولوجية الكبرى التي اجتاحتها عبر ملايين السنين، وأدت إلى انقراض جماعي لأصناف هائلة من الكائنات. خير مثال على ذلك النشاط البركاني الضخم في نهاية العصر البرمي “فخاخ سيبيريا” قبل 252 مليون سنة، والذي تسبب في أكبر انقراض عرفته الأرض. ويضاف إلى ذلك الحركات التكتونية للصفائح القارية، وتساقط الشهب والنيازك العملاقة، وما صاحبها من ارتفاع جنوني في درجات الحرارة.
لذلك، أرى أن تأثير الإنسان على المناخ محدود نسبياً ومبالغ فيه إعلامياً، وأن ما نعيشه اليوم هو امتداد لدورات طبيعية مرت بها الأرض قبل وجود الإنسان وستمر بها بعده. والإنسان، بمفهوم الاستخلاف القرآني، مطالب بالتكيف مع هذه السنن الكونية وفهمها لا بمحاربتها، لأن كفة الميزان تميل دائماً لصالح الطبيعة وقوانينها.
ويبقى النقاش العلمي حول الوزن النسبي للعامل البشري مقابل العوامل الطبيعية مفتوحاً، غير أن الثابت أن الأرض كانت تمر بدورات مناخية حادة قبل الثورة الصناعية، وستظل كذلك بعدها.