أخبار

الحصانة الدبلوماسية للأطفال في حضرة الجد والجدة

Published

on

 

الوطنية بريس / مصطفى بوكديرة

في البيوت القديمة، لم يكن الأطفال يحتاجون إلى قوانين مكتوبة تحميهم، ولا إلى مواثيق دولية تُصان بها حقوقهم، فقد كانت حضرة الجد والجدة تكفي لتمنحهم حصانة دبلوماسية لا يستطيع أحد اختراقها.

هناك، تحت سقف البيت الكبير، كان كل شيء مختلفا… حتى العقاب كان يتوقف عند عتبة غرفة الجدة.

كان البيت يضم الجميع؛ الجد بوقاره، والأبناء بهمومهم اليومية، والأحفاد بضجيجهم البريء.

غرف قليلة، وفرش متواضع، وأوان قديمة تتناوب عليها الأيدي، لكن القلوب كانت تتسع للجميع.

لم تكن الإمكانيات كثيرة، ومع ذلك كان السلام الداخلي يملأ المكان كما يملأ ضوء الفجر نوافذ الطين.

كان الجد رب الأسرة، وكلمته لا تُرد.

إذا تحدث صمت الجميع، وإذا غضب ارتبكت الجدران نفسها.

لكن العجيب أن هذا الرجل الصارم كان يتحول إلى شخص آخر تمامًا حين يتعلق الأمر بالأحفاد.

فإذا أخطأ أحد الأطفال، وسارع الأب غاضبًا ليؤدبه، كانت الجدة تتدخل بسرعة البرق، تضم الطفل إلى صدرها وتقول بلهجتها الحنينة:

“راه باقي صغير …ما عليهش”

Advertisement

وهنا تبدأ الحصانة الدبلوماسية الحقيقية.

يقف الأب حائرا بين احترامه لأبيه وخوفه من كسر خاطر أمه، بينما يختبئ الحفيد خلف عباءة الجدة مبتسما بانتصار صغير لا يُقال.

أما الجد، ذلك الذي تهتز له أركان البيت، فكان يدير وجهه محاولا إخفاء ضحكة خفيفة، ثم يتمتم:

“ هادي آخر مرة …”

وكأن القرار صدر من أعلى سلطة في الدولة.

في تلك الأيام، لم تكن الحياة سهلة.

الراتب بالكاد يكفي، والطعام يُقسم بعدالة بين الجميع، والملابس تنتقل من الأخ الأكبر إلى الأصغر دون اعتراض.

لكن أحدا لم يكن يشعر بالفقر الحقيقي، لأن الدفء الإنساني كان يغطي كل النقص.

كانت السفرة تجمع الجميع حول طبق واحد، والضحكات تعلو رغم التعب.

وكان الأطفال ينامون متجاورين كالعصافير، بينما تبقى الجدة آخر الساهرين، تتفقد الأغطية وتتمتم بالدعوات.

واليوم…

 

Advertisement

كبرت البيوت وصغرت العائلة.

صار لكل فرد غرفته، وربما عالمه الخاص، لكن شيئًا ما انطفأ في الزحام الحديث.

 

اختفت تلك الهيبة الممزوجة بالحب، وذلك الأمان الذي كان يسكن قلب الطفل حين يسمع صوت جدته تناديه.

 

رحلت أشياء كثيرة مع الزمن، لكن تبقى الذكريات القديمة معلقة في القلب، مثل صورة باهتة لا يفقدها الحنين أبدا.

 

ويبقى الأطفال الذين عاشوا تحت جناح الجد والجدة هم الأكثر حظًا، لأنهم عرفوا معنى العائلة حين كانت وطنا كاملا تحت سقف واحد.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version