أخبار

مكناس تنفض الغبار عن تاريخها: العاصمة الإسماعيلية تبعث من تحت الرماد لتشكل وجهة سياحية عالمية

Published

on

 

الوطنية بريس بقلم حميد عسلاوي

 

في عالم باتت فيه الوجهات السياحية تتشابه، وجد المغرب ضالته التنافسية في عمق تاريخه العريق؛ فالأمر لم يعد يقتصر على تسويق “الشمس والبحر”، بل تحول نحو استثمار “الرأسمال اللامادي” وجعل المدن العتيقة رأس الحربة في مواجهة كبريات الدول السياحية العالمية والعربية كالمغرب ومصر والأردن.

ومن رحم هذه الرؤية الاستراتيجية، تولد مدينة مكناس اليوم من جديد. العاصمة الإسماعيلية، التي ظلت لسنوات طويلة تختبئ في ظل جاراتها، تنفض عنها اليوم غبار النسيان عبر مشروع ضخم لإعادة الهيكلة والتثمين.

ومع اقتراب الأشغال من بلوغ شوطها الثاني، تبدو مكناس كطائر الفينيق الذي يبعث من تحت الرماد، مستندة إلى إشعاعها التاريخي والدينامية السنوية التي يخلقها المعرض الدولي للفلاحة (SIAM)، لتتحول من مجرد محطة عبور إلى وجهة سياحية قائمة بذاتها، قادرة على جذب عشاق التاريخ والجمال من كل بقاع العالم.

تندرج إعادة هيكلة مدينة مكناس ضمن رؤية ملكية سامية ومتبصرة حوّلت المدن العتيقة بالمملكة من فضاءات عمرانية متهالكة إلى قاطرات للتنمية المستدامة.

1. التميز في المنافسة الإقليمية

وعياً منه بالمنافسة الشديدة في حوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط (خاصة مع التراث الفرعوني لمصر أو البتراء الأردنية)، راهن المغرب على “الحياة داخل التاريخ”.

فالزائر للمدن العتيقة المغربية لا يزور متاحف مغلقة، بل يولد داخل نسيج عمراني حي، يمتزج فيه المعمار المرابطي، الموحدي، المريني، والإسماعيلي بالحياة اليومية للسكان والحرفيين.

الحفاظ على الموروث الثقافي والمعماري: ترميم الأسوار، الأبواب التاريخية، والمساجد والمدارس العتيقة.

تحسين ظروف عيش الساكنة: إعادة تأهيل البنيات التحتية، شبكات الماء، الكهرباء، والتطهير السائل لمنع تدهور البنايات.

Advertisement

إنعاش الدورة الاقتصادية: إدماج الصناعة التقليدية والتجارة المحلية في المسارات السياحية لضمان خلق فرص الشغل للشباب والمهنيين.

ما كان لـ “معجزة” بعث مكناس أن تتحقق لولا التحول الجذري في المقاربة المحلية، حيث تحولت المدينة إلى ورش مفتوح بفضل التقائية جهود كافة المتدخلين.

شكلت المتابعة الميدانية الصارمة والدائمة لـالسيد عامل الإقليم الحجر الأساس في تسريع وتيرة الأشغال. فمن خلال نزوله المتكرر إلى الميدان، نجحت السلطة الإقليمية في:

تذليل العقبات الإدارية والتقنية التي تواجه المقاولات المشرفة على الترميم.

فرض احترام الخصوصيات المعمارية التاريخية للمدينة وتجنب العشوائية في الإصلاح.

التنسيق المحكم بين مختلف القطاعات الوزارية لضمان تدفق التمويلات وسير الأشغال وفق الأجندة الزمنية المحددة.

لعب المنتخبون المحليون (مجلس الجماعة، مجلس العمالة، ومجلس الجهة) دوراً محورياً في:

توفير الدعم المالي اللازم والمصادقة على الشراكات الاستراتيجية.

ملاءمة المخططات التنموية للمدينة مع أهداف مشروع التثمين.

خلق قنوات تواصل مباشرة مع الساكنة والتجار لتسهيل عمليات الإخلاء المؤقت أو إغلاق بعض المحاور لضرورة الأشغال.

لم يكن المجتمع المدني المكناسي مجرد متفرج، بل كان نبض المشروع من خلال:

المساهمة في التوعية والتحسيس بأهمية الحفاظ على هذا الموروث بعد ترميمه.

Advertisement

تقديم مقترحات بناءة نابعة من المعرفة الدقيقة بأحياء المدينة ودروبها الضيقة.

الترافع المستمر عن الهوية الثقافية للمدينة وإدماج العنصر البشري (الحرفيين والدلائل السياحيين) كقلب نابض لهذا التحول.

إن مكناس وهي تلج الشوط الثاني والأخير من مشروع رد الاعتبار لمدينتها العتيقة، لا ترمم الأحجار والأسوار الفخمة كـ “باب المنصور لعلج” أو “صهريج السواني” فحسب، بل تعيد ترميم ذاكرتها الجماعية وصورتها الدولية.

وبفضل التناغم بين الإرادة الإقليمية (العامل)، والشرعية التمثيلية (المنتخبون)، والحس الوطني (المجتمع المدني)، تستعد العاصمة الإسماعيلية لتتبوأ مكانتها المستحقة كقطب سياحي عالمي ينافس الكبار.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version