أخبار وطنية
حين تبعث الحداثة من رحم البيان العربي
محمد اللغاف
حين تبعث الحداثة من رحم البيان العربي
الوطنية بريس
حميد بركي
لقد كان اكتشافي لعالم الشاعر المغربي محمد اللغافي أشبه بفتح نافذةٍ جديدة على حداثةٍ شعريةٍ لا تُشبه إلا نفسها؛ حداثةٍ لا تقوم على الضجيج اللغوي، ولا على القطيعة المفتعلة مع التراث، إنه التوهج الخفي الذي يجعل البيان العربي يولد من جديد داخل القصيدة، ولم يكن هذا الاكتشاف وليد قراءة عابرة، انه تعمّق لحظةَ استمعتُ إلى ما استقرّ عند الناقد والشاعر التونسي بوبكر عموري خلال تكريم اللغافي في تونس؛ حيث بدا الحديث عنه وكأنه حديث عن تجربة شعريةٍ استطاعت أن تُعيد للغة هيبتها، وللصورة الشعرية دهشتها الأولى، لقد أدرك الشريف الإدريسي عموري، بحدسه النقدي الرفيع، أن محمد اللغافي صانع بيانٍ جديد، يُطوّع اللغة دون أن يكسر روحها، ويُدخلها إلى أفق الحداثة دون أن يقتلع جذورها من التربة العربية الأصيلة، ومن هنا تكمن فرادته؛ إذ استطاع أن يُقيم توازناً نادراً بين عمق الفكرة وجمال العبارة، وبين الرمز الشفيف والإيقاع الداخلي الذي يسكن النص حتى في لحظات الصمت.
في شعر اللغافي كائنات حيّة تتنفس وتتحرك وتترك أثرها في الوجدان، إنّه يكتب بوعي العارف بأسرار البلاغة، وبحسّ الفنان الذي يعرف كيف يحوّل اللغة إلى موسيقى خفية، وكيف يجعل الصورة الشعرية تمتدّ أبعد من معناها المباشر لتصير أفقاً للتأويل والتأمل.
وما زادني اعتزازاً بهذه القامة الشعرية هو أن الاحتفاء بها جاء من خارج الحدود المغربية أيضاً؛ فحين تُكرَّم التجربة في تونس، ويقف النقاد والشعراء للحديث عنها بإجلال، فإن ذلك يكشف أن الشعر الحقيقي لا تعوقه الجغرافيا، وأن الإبداع الصادق يمتلك قدرة نادرة على عبور القلوب والثقافات.
إن محمد اللغافي يمثل وجهاً مضيئاً للشعر المغربي المعاصر، والعالم العربي، وصوتاً استطاع أن يفرض حضوره بما يملكه من فرادة الأسلوب وعمق الرؤية، ومن حقنا أن نفتخر بهذا الشاعر القدير الذي منح القصيدة العربية بعداً جمالياً خاصاً، وأثبت أن الحداثة الحقيقية قدرة خلاقة على إحياء اللغة بروحٍ جديدة، تجعلها أكثر إشراقاً واتساعاً وإنسانية.
حميد بركي