أخبار
حين كان العيد فرحة… لا سباقا للقدرة
الوطنية بريس/مصطفى بوكديرة
كان عيد الأضحى زمان يطرق الأبواب برفق يشبه دعاء الأمهات آخر الليل، فتتبدل ملامح الحارات، وتلبس المدن ثوب البهجة قبل أن يولد الهلال بأيام.
كان الأطفال يترقبون قدوم “البيكويات” و”الهونضات” المحمّلة بالخرفان، يركضون خلفها في الأزقة الضيقة، يضحكون ويشيرون إلى الأكباش البيضاء والسوداء، ويتسابقون لمعرفة أيها أقوى قرنين وأجمل صوفًا.
وكان أصحاب المواشي ينادون بأصوات تختلط فيها التجارة بالبساطة، بينما يلتف الصغار حول الشاحنات حتى لا “تتشابك” الخرفان في الحبال، وكأن الأمر مهرجان شعبي صغير تحفظه الذاكرة أكثر مما تحفظه الصور.
في تلك الأيام، لم تكن قيمة الأضحية تقاس بثمنها، بل بما تحمله من دفءٍ داخل البيوت.
كان الفقير يفرح بما استطاع إليه سبيلا، والغني يفرح لأنه سيدخل السرور على غيره، وكانت رائحة الشواء صباح العيد تمتزج بسلام الناس وتراحمهم.
أما اليوم، فقد تغير المشهد كثيرا.
أصبح المواطن البسيط يقف حائرًا أمام أسعارٍ تلهب الجيوب قبل القلوب، حتى بات ثمن الأضحية يساوي أجر أشهر كاملة، وربما يفوق قدرة الموظف والعامل ورب الأسرة المحدود الدخل.
وأمام هذا الواقع القاسي، ظهر من يُعرفون في العامية بـ”الشناقة”، أولئك الذين يحولون المواسم الدينية إلى أسواق للمضاربة والجشع، فيحتكرون الماشية ويرفعون الأسعار بلا رحمة، مستغلين حاجة الناس وحرصهم على إحياء الشعيرة.
لقد صار كثير من الآباء يعيشون معاناة صامتة؛ بين رغبة إسعاد الأبناء، والخوف من الديون وضيق الحال.
وبات البعض يقترض أو يرهق نفسه فقط حتى لا يشعر بالنقص أمام الآخرين، وكأن الأضحية تحولت عند بعض الناس من عبادةٍ إلى مظهر اجتماعي واستعراض قدرة.
غير أن الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عنا، أن أضحية العيد شعيرة دينية عظيمة، مقصدها التقرب إلى الله وإحياء معاني الطاعة والتكافل، لا التفاخر ولا إثقال النفس بما لا تطيق.
فالله لا ينظر إلى حجم الكبش ولا إلى ثمنه، وإنما ينظر إلى النية والصدق والتقوى.
قال تعالى:
﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾.
لذلك، لا ينبغي أن نكلف أنفسنا فوق طاقتها، ولا أن نجعل فرحة العيد بابًا للحزن والديون والهموم.
فالعيد يبقى عيدًا بالمحبة وصلة الرحم ورحمة القلوب، لا بثمن الأضاحي ولا بكثرة المظاهر.