أخبار
بين صمت القيلولة وضجيج الطفولة: حكاية زمن كانت فيه قلة الإمكانات تنبت وفرة في القيم
الوطنية بريس / مصطفى بوكديرة
هي ليست مجرد عادة يومية عابرة، بل كانت طقسا هادئا يعكس إيقاع الحياة البسيط في الماضي، خصوصا خلال فترة الثمانينات. مع حلول الظهيرة، كانت الأزقة تخفت أصواتها، وتغلق الأبواب والنوافذ، ويستسلم الكبار لراحة قصيرة بعد عناء الصباح. كان الصمت يسود الحي كأنه اتفاق غير مكتوب بين الجميع، احتراما لوقت الراحة.
لكن هذا الهدوء لم يكن يكتمل دائما، لأننا نحن الأطفال كنا نحمل طاقة لا تنتهي. كنا نجتمع في الأزقة، نحمل كرتنا ونبدأ اللعب دون أن نفكر كثيرا في من يحاول النوم. كانت ضربات الكرة على الحائط تتكرر بصوت مرتفع، يتردد صداه بين البيوت، وكأننا نتحدى ذلك الصمت الذي يحيط بالمكان. لم نكن نقصد الإزعاج، بل كنا نعيش طفولتنا بعفوية وبراءة.
وفجأة، وبين ضحكاتنا وصراخنا، كنا نتفاجأ بسطل ماء بارد يفرغ علينا من أعلى السطح. لحظة صمت قصيرة، ثم صراخ وضحك وهروب في كل الاتجاهات. كنا نرفع رؤوسنا فنرى أحد الجيران يلوح بيده غاضبا ( واخا دابا نقولها لأمك ). لم يكن الأمر إهانة ولا قسوة، بل كان درسا بسيطا بطريقته الخاصة: هذا وقت راحة، وعليكم احترامه.
كنا إذا عاتبنا أحد الكبار، نصمت فورا. نخفض رؤوسنا ونبتعد دون جدال. لم نكن نرى في ذلك ظلما، بل كنا نشعر بشيء من الحرج والاحترام. كانت كلمة الجار مثل كلمة الأب، وكان الكبير في الحي يحظى بمكانة خاصة. حتى لو ابتلت ملابسنا بالماء، كنا نضحك وننسحب، وكأننا فهمنا الرسالة دون حاجة لشرح طويل.
الحياة في الثمانينات كانت بسيطة في كل شيء. الإمكانيات قليلة، والبيوت متواضعة، وألعابنا محدودة، لكن القيم كانت حاضرة بقوة. كان الحي عائلة واحدة، يعرف الجميع بعضهم، ويتقاسمون الأفراح والأحزان. كان الاحترام متبادلا، والتقدير واضحا في طريقة الكلام والتصرف. لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نشعر بالأمان والانتماء.
أما اليوم، فقد تغيرت الحياة كثيرا. صارت المدن أكثر صخبا، والأطفال يقضون وقتهم مع الشاشات أكثر من اللعب في الأزقة. لم تعد القيلولة كما كانت، ولم يعد ذلك الصمت الجماعي موجودا. حتى العلاقات بين الجيران أصبحت أقل دفئا، وأصبح العتاب أحيانا يفهم على أنه تدخل أو إزعاج. الإمكانيات زادت، والراحة توفرت، لكن شيئا من تلك الروح البسيطة خفّ.
ومع ذلك، تبقى ذكريات تلك الأيام دليلا على أن القيم لا تقاس بما نملك، بل بما نحمله في قلوبنا. كنا نحترم الكبير، ونقدر نصيحته، ونتقبل العتاب دون غضب. تعلمنا أن الحياة ليست فقط لعبا ولهوا، بل مشاركة وتعايش واحترام للآخرين.
تلك القيلولة التي كنا نفسدها بضربات الكرة، وذلك السطل الذي كان يوقظنا على حين غرة، لم يكونا مجرد مواقف عابرة، بل كانت دروسا صغيرة صنعت فينا معنى الاحترام والانتماء، وذكرتنا دائما بأن البساطة، رغم قلة الإمكانيات، كانت مليئة بالقيم الجميلة.