أخبار
حبيبة المحرزي مأسسة إبداعية في المقدمة
الوطنية بريس
حميد بركي
حيثُ تتلاقى الأرواحُ على مائدةِ الحرف، وتتمازجُ الثقافاتُ في فضاءِ الإبداع، كانت خطوتي الأولى مشحونةً بشغفِ اللقاء، وحنينِ الاكتشاف، ورغبةٍ في الغوصِ في عوالمَ أخرى، وأنا وجهة رواقَ اتحادِ كُتّابِ تونس، لتقديم قراءة في رواية الروائية التونسية ابتسام الخميري ( العاثي ) وأنا أحملُ في قلبي وهجَ القراءة، غيرَ أنّني خرجتُ من ذلك الركنِ الصغير بحكايةٍ أكبر من كلِّ توقّع، وذكرى تُشبهُ الضوء حين يسكنُ الذاكرة،
هناك، بين رفوفٍ تزدحمُ بالأحلام، وكتبٍ تتنفسُ حروفها عبقَ التجارب، التقيتُ بروائيةٍ ليست كسائر الروائيات، أناملٍ من نور، إذا خطّت أبهرت، وإذا نسجت أدهشت، وإذا صاغت الحكاية ألبستها من الروحِ ثوبًا ومن الخيالِ جناحين، كانت كلماتُها كالأمواج، تحملُك دون استئذان إلى عوالمَ من الإثارة والتشويق، فتجدُ نفسك غارقًا في لذّةِ السرد، متمايلًا مع إيقاعِ الحكاية، كأنك تعيشُ النصَّ لا تقرؤه،
وحين رفعتُ بصري إليها، رأيتُ على محيّاها نضارةَ البراءة، وصفاءَ الحضور، وهدوءَ الواثقين الذين لا يرفعون أصواتهم لأنّ إبداعهم كفيلٌ بأن يُسمَع، كانت ابتسامتها كفجرٍ يشرقُ بلا ضجيج، ونظرتها كمرآةٍ تعكسُ نقاءَ الداخل، فازددتُ يقينًا أنّ الإبداعَ الحقيقيّ لا يُصطنع، إنها الروائية الكبيرة حبيبة المحرزي، حيث العفويّة وصدق الكلمة.
ومنذُ اللحظة، بدأتُ أكتشفُ أنّني التقيت بالاستثناء، “ملاكُ الحرف” حين يتجسّد، أو “أميرةُ السرد” حين تعتلي عرشَ الرواية، وهي ُشيّد عوالمَ من تفاصيلِ مدنًا، وتحوّلُ الحكاية إلى كائنٍ حيٍّ ينبضُ بالإحساس، حبكتُها متقنةٌ كعقدٍ فريد، لا ترى فيه خللًا ولا تجدُ فيه فراغًا، وكلُّ سطرٍ فيها يقودُ إلى آخر، كما تقودُ النجومُ التائهَ في ليلٍ طويل.
هي تلك التي تجعلُ من الكلمةِ سفينةً، ومن المعنى شراعًا، ومن الخيالِ بحرًا لا قرار له، فتبحرُ بقارئها حيثُ الدهشةُ عنوان، وحيثُ المتعةُ لا تنتهي، إذا قرأتَ لها، شعرتَ أنّك تعيشُ أكثر من حياة، وتسكنُ أكثر من روح، وتكتشفُ في نفسك ما لم تكن تعرفه من قبل.
وما بين اللقاءِ الأول وتوالي القراءات، أدركتُ أنّ هذه الروائية نجمٌ ثابت، يضيءُ الدروبَ لكلّ من يبحثُ عن الجمالِ في الكلمة، وعن العمقِ في الحكاية، فهنيئًا للحرفِ بها حين يتزيّن، وهنيئًا للسردِ بها حين يتألّق، وهنيئًا للقرّاءِ بها حين يجدون في نصوصها ملاذًا ودهشة.
إنّها تلك التي إذا كتبتْ أبدعت، وإذا أبدعتْ أمتعت، وإذا أمتعتْ أسرت، حتى يغدو القارئ أسيرَ جمالها، لا يريدُ فكاكًا، ولا يطلبُ خلاصًا. فسلامٌ على حرفٍ سكنته، وسلامٌ على سردٍ ملكته، وسلامٌ على روحٍ جعلت من الإبداعِ قدرًا، ومن التألقِ مسارًا، ومن الأدبِ وطنًا لا يزول، وإن صح القول روائية في المقدمة.
حميد بركي