أخبار
التعوّد… القيد الناعم والوداع كفعل نجاة
الوطنية بريس/ مصطفى بوكديرة
في زمن تتشابك فيه العلاقات وتتشابك معه مشاعر الإنسان، يبرز “التعوّد” بوصفه أحد أكثر الحالات النفسية التباسًا؛ إذ قد يبدو في ظاهره ألفةً وأمانًا، بينما يخفي في عمقه نوعًا من الارتباط القسري الذي يصعب الفكاك منه.
فكثيرًا ما يتحول التعلّق بالأشخاص أو الأماكن إلى قيدٍ غير مرئي، يتسلل بهدوء إلى الحياة اليومية، حتى يصبح جزءًا من الروتين الذي لا يُساءل. ومع مرور الوقت، يختلط مفهوم البقاء بالوفاء، ويُنظر إلى الاستمرار – حتى وإن كان مؤلمًا – كقيمة يجب الحفاظ عليها، رغم ما قد يحمله من استنزاف داخلي.
ويرى مختصون في علم النفس أن الإنسان قد يتمسك بعلاقات أو بيئات لم تعد تمنحه المعنى، ليس بدافع الحب، بل نتيجة الخوف من التغيير أو من مواجهة الفراغ. وهنا، يتحول “التعوّد” إلى ما يشبه “القيد الناعم”: مريح في ظاهره، لكنه مقيّد في جوهره.
في هذا السياق، لا يُعد الوداع بالضرورة فعل هجر أو قسوة، بل قد يكون في كثير من الأحيان خطوة نحو التعافي وإعادة التوازن. فالقدرة على المغادرة حين تفقد الأشياء معناها تمثل شكلًا من أشكال الشجاعة، واختيارًا واعيًا لحياة أكثر اكتمالًا.
ويؤكد هذا الطرح أن التعلّق المفرط، مهما بدا دافئًا، قد يحمل في طياته خطر الاختناق إن استمر، أو الألم إن انتهى. لذا، يصبح من الضروري تعلّم مهارة “الإفلات”؛ أي القدرة على التخفف من الروابط التي لم تعد تخدم نمو الإنسان النفسي والعاطفي.
كما يشير إلى أهمية تبني نمط من العيش يقوم على المرونة، حيث يحمل الإنسان تجاربه كمسافر خفيف، دون أن يثقل كاهله الارتباط المطلق بالأشخاص أو الأماكن. فبعض العلاقات، مهما بدت عميقة، قد تكون مؤقتة، وبعض البيئات ليست سوى محطات عابرة في مسار الحياة.
وفي المحصلة، يظل التوازن هو المفتاح: أن يُحسن الإنسان التمييز بين ما يستحق البقاء وما يتطلب الرحيل. فالحياة، كما يراها هذا المنظور، لا تُقاس بطول الاستمرار، بل بعمق المعنى وجودة التجربة.
هكذا، يصبح الوداع أحيانًا ليس نهاية، بل بداية جديدة؛ خطوة نحو حرية داخلية، لا تقوم على الهروب، بل على وعيٍ ناضج يختار الحياة دون خوف.