أخبار

الروائية التونسية حبيبة محرزي فلسفة حرف وقضية

Published

on

الوطنية بريس

حميد بركي

في حضرة القيروان، تلك المدينة التي لا تُختصر في جغرافيا ولا تُقاس بالمسافات، تلك الحكايةٍ العتيقة التي تتناقلها الأزمنة، وُلدت حبيبة محرزي، لتكون متدادا لذاكرةٍ لا تشيخ، وارتعاشة حرفٍ قرّر أن يتحوّل إلى صوت، هناك، حيث المآذن تلامس زرقة السماء، وحيث الجدران تحفظ صدى العابرين منذ قرون، تشكّلت ملامحها الأولى، كعينٍ مبكّرةٍ على المعنى، تلتقط التفاصيل الصغيرة وتحوّلها، دون أن تدري، إلى بذور نصوصٍ ستنمو لاحقًا.

في تلك الطفولة، لم تكن القراءة مجرّد إلا قدرًا يتسلّل إليها كما يتسلّل الضوء من نافذةٍ مواربة، فقد كانت الكتب تُناديها كما لو أنّها تعرفها، وكانت الصفحات تنفتح لها لتُعاش، كلّ كتاب كان طريقًا، وكلّ نصّ كان بمثابة شريط يسجل احداث الزمكان، وكلّ جملة كانت خطوة نحو ذاتٍ تتشكّل ببطء، وتتعرف إلى العالم من خلال الحبر قبل الواقع، ومن هذا الشغف الهادئ، وُلدت الكتابة، كاستجابة داخلية، كحاجةٍ ملحّةٍ لتقول ما لا يُقال، ولتُفرغ ما يتراكم في الأعماق من أسئلةٍ ومشاعر لا تجد لها مأوى إلا في اللغة.

ثمّ كان العبور إلى كلية منوبة، حيث لم تكتفِ بأن تكون قارئةً شغوفة، صارت باحثةً تُفكّك النصوص وتعيد تركيبها، تُنصت إلى ما بين السطور، وتغوص في المدارس النقدية كما يغوص الغوّاص في بحرٍ لا قرار له. هناك، صارت الكلمة أكثر وعيًا، والنصّ أكثر مسؤولية، والكتابة أكثر انخراطًا في أسئلة العصر، لم تعد اللغة إلا وصارت أداة كشف، وموقفًا، ورؤية.

وفي رحلتها بين المدارس الأدبية، كانت كمن يجرّب أجنحة مختلفة ليعرف أيّها أقرب إلى روحه، حلّقت في فضاءات الرومنسية، حيث العاطفة سيّدة، والطبيعة مصدر شاعرية للنفس، والحلم ملاذٌ من قسوة الواقع، التقت بأصواتٍ عبر عالم الكتب مثل جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي، فتعلمت منهم كيف يمكن للكلمة أن تكون نسيمًا، وكيف يمكن للجملة أن تنبض بالحنين، ثمّ عبرت إلى الواقعية، مواجهة مباشرة مع الإنسان كما هو، في هشاشته وقوّته، في انكساراته الصغيرة وكوارثه الكبرى، كما يمكن ان نقول بأنها وجدت نفسها أكثر، في الأدب،

ومع الزمن، صارت نمط حياة، وامتدادًا لوجودها.

الرواية تحديدًا عالم جعلها تقيم فيه، ومدتها أشخاصًا يعيشون معها، يرافقونها في يومها، يتنفّسون في تفاصيلها، ويشاركونها قلقها وأسئلتها، كانت تكتبهم كما لو أنّها تُنقذهم من العدم، أو كما لو أنّها تُعيد ترتيب العالم من خلالهم. كلّ شخصية عندها تحمل جرحًا، وكلّ حدث ينطوي على سؤال، وكلّ نهاية تفتح بابًا لبداية أخرى.

أما القصة القصيرة، فهي عندها ومضة برق، لحظة اشتعال خاطفة، وجعٌ يداهمها فجأة، فتسارِع إلى الإمساك به قبل أن يتبدّد، تكتبها كما تُكتب الاعترافات، بسرعة وصدق، ثمّ تتركها تمضي، كأنّها تخلّصت من عبءٍ كان يثقل روحها.

وفي قلب هذا المشروع الإبداعي، تقف القضايا الإنسانية كجذعٍ صلبٍ تتفرّع منه كلّ النصوص، هكذا هي حبيبة محرزي مع الواقع لتفكّكه، لتكشف عيوبه، لتُسلّط الضوء على تلك المناطق المعتمة التي يفضّل كثيرون تجاهلها، من الفقر إلى التهميش، من العنف إلى الإدمان، من انكسار الطفولة إلى خيبات الشباب، كلّها تتحوّل في نصوصها إلى حكاياتٍ تنبض بالحياة، وتصرخ في وجه الصمت.

وفي هذا السياق، يبرز صوتها النسويّ واضحًا، كخيارٍ جذريّ، وهي تكتب عن المرأة بوصفها كيانًا يُناضل ليُثبت وجوده في عالمٍ كثيرًا ما يختزلها، ترى في الكتابة فعل مقاومة، وفي السرد وسيلة لاستعادة الصوت، وفي الحكاية مساحةً لإعادة التوازن إلى كفّةٍ مالت طويلًا. المرأة في نصوصها نضال ومقاومة، وصانعة معنى.

وحين تنظر إلى المشهد الإبداعي التونسي، تراه كأرضٍ تهتزّ بالحركة، حيث يختلط الجيّد بالمتسرّع، والصدق بالمجاملة، تدرك أنّ وفرة الكتابة لا تعني دائمًا عمقها، وأنّ النقد حين يفقد جرأته يفقد دوره، ومع ذلك، تبقى مؤمنة بأنّ الزمن ناقدٌ لا يُخطئ، وأنّ ما كُتب بصدق سيبقى، ولو بعد حين.

Advertisement

أما طموحاتها، فهي امتداد طبيعيّ لهذه الرحلة، أعمال جديدة تتشكّل في الأفق، كأنّها فصول لم تُكتب بعد من سيرةٍ لم تكتمل. مجموعات قصصية، روايات، وسلاسل فكرية، كلّها تحاول أن تعبر من المحليّ إلى الإنسانيّ، من الخاصّ إلى الكونيّ، لتقول إنّ الإنسان، مهما اختلفت لغاته وأمكنته، يشترك في الوجع ذاته، وفي الحلم ذاته.

هكذا تبدو حبيبة محرزي: كاتبة لا تهادن الواقع، تسعى إلى خلخلته وإعادة تشكيله بالكلمة، هي ابنة مدينةٍ عريقة، لكنّها أيضًا ابنة أسئلتها، كامرأة اختارت أن تجعل من الأدب طريقًا، ومن الحرف بيتًا، ومن الكتابة فعل حياة، وبين كلّ نصّ وآخر، تظلّ تمضي، كمن يحمل مصباحًا صغيرًا في ليلٍ ليؤكّد أنّ الضوء، مهما كان خافتًا، قادر على البقاء.

 

 

بقلم: حميد بركي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الشائعة

Exit mobile version