Connect with us

أخبار

من تكريم السماء إلى إنصاف الأرض

Published

on

المرأة في الذاكرة

من تكريم السماء إلى إنصاف الأرض

 

الوطنية بريس

محمد الحمدوشي

 

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، لا يكفي أن نحتفي بها في اللقاءات الرسمية والندوات الفكرية، ولا أن نردد شعارات منمقة عن مكانتها وحقوقها، بل ما أجمل أن نعود إلى الذاكرة الشعبية، إلى ذلك المخزون الرمزي الذي صاغته أجيال وأجيال، حيث تختزن الأمثال والحكم رؤية المجتمع للمرأة ومكانتها وأدوارها.

فالموضوع الشعبي ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي مرآة لقيم المجتمع، وعصارة تجاربه، وتعبير عن نظرته إلى العدالة والجمال والتربية، والمرأة والأسرة… وحين نتأمل الأمثال المغربية، نجد أن كثيرا منها أنصف المرأة واحتفى بها، وأقر بدورها المحوري في بناء الأسرة واستقرار المجتمع.

غير أن هذا الإنصاف الشعبي لم يكن معزولا عن المرجعية الدينية، بل تشكل في ظل رؤية إسلامية كرمت المرأة وأقرت حقوقها باعتبارها جزءا من كرامة الإنسان.

 

 

الإسلام لم يتحدث عن “حقوق المرأة” باعتبارها منحة اجتماعية، بل باعتبارها امتدادا لكرامة الإنسان. قال تعالى:

Advertisement
Ad Banner

{ولقد كرمنا بني آدم} (سورة الإسراء الآية 70)

فالتكريم شامل للذكر والأنثى.

ومن هنا نفهم وصية نبينا محمد ﷺ في خطبة الوداع:

«اتقوا الله واستوصوا بالنساء خيرا…

أي خافوا من الله، وأدوا حق النساء، الزوجات، بإنصافهن ومراعاة حقهن، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، أي: بعهده،

بل وجعل معيار الخيرية في المجتمع مرتبطا بحسن المعاملة داخل البيت:

«خيركم خيركم لأهله، وانا خيركم لأهلي» رواه الترمذي.

فالعلاقة الزوجية في التصور الإسلامي ليست امتلاكا، بل أمانة ومسؤولية.

 

المرأة بين التربية وحسن الاختيار

 

يقول المثل المغربي:

Advertisement
Ad Banner

“كيقلب على شي نقرة فين يغبر نحاسو”

أي أن الرجل لا يبحث عن الجمال العابر، بل عن “النقرة” النفيسة التي يستقر فيها نحاسه، أي المرأة الصالحة ذات التربية الأصيلة القادرة على بناء البيت وتربية الأبناء.

وهنا يتقاطع الموروث الشعبي مع الهدي النبوي في الحث على اختيار ذات الدين، لأن الدين ليس طقوسا فقط، بل منظومة أخلاق واستقامة.

ويعزز هذا المعنى مثل بليغ آخر:

“زين الوجه تايذوب وزين العقل تايدوم”

فالجمال إلى زوال، أما العقل والخلق وحسن التدبير فهي القيم الباقية. والمثل هنا يرفع معيار تقييم المرأة من الشكل إلى الجوهر، أي الإنتقال من عالم الأشياء إلى عالم الأفكار ، ومن الصورة إلى السلوك.

فالإسلام لم يحصر طلب العلم في الرجال، بل جعل طلبه فريضة على كل مسلم، وشمل ذلك النساء. “فالنساء شقائق الرجال…” وكان النبي ﷺ يخصص لهن وقتا للتعليم، اعترافا بأهليتهن الفكرية ودورهن في صناعة الوعي.

وهذا ينسجم تماما مع الحكمة الشعبية التي توضح _ “ الزين زين الفعايل” _ في تأكيد أن المرأة ليست مجرد حضور جمالي، بل طاقة فكرية وتربوية تصنع الأجيال.

 

تكامل لا صراع

 

من أعمق الأمثال التي تعكس فلسفة التوازن. قولهم:

Advertisement
Ad Banner

“شحال من امرا كتفتش على راجل، وشحال من راجل كيقلب على امرا”

فالخير موجود في الطرفين، والمشكلة ليست في غياب الصالحين، بل في سوء الاختيار أو سوء التقدير.

لكذلك قالوا:

“خسارة لمليح في غير أهله، وخسارة الزين في من لا يستاهلوا”

وهو مثل ينصف المرأة حين تعاشر من لا يقدرها ويحسن عشرتها، فيضيع المعروف في غير موضعه.

يقول الله تعالى {وعاشروهن بالمعروف … } (سورة النساء الآية 19)

 

الأم… قلب البيت ومدرسته الأولى

 

يقول المثل:

“الترابي قبل الجامع”

في إشارة إلى أن التربية الأولى تبدأ في البيت، وأن الأم هي المدرسة قبل كل المؤسسات.

Advertisement
Ad Banner

ويأتي المثل المؤثر:

“إلا مات البو وسد الركبة، ويلا ماتت الأم وسد العتبة”

ليوضح أن الأب هو السند، لكن الأم بيت بأكمله. غيابها ليس فقدان شخص فقط، بل فقدان دفء وأمان واستقرار. هي روح البيت المشعة…

روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه

قال: (جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ: مَن أَحَقُّ النَّاسِ بحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قالَ: أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أَبُوكَ. )

هذا التكرار تأسيس لمكانة الأم باعتبارها محور الرحمة والتضحية، وهو ما اختزلته العبارة الشعبية ببلاغة عميقة ومكثفة.

“اللي عندو أمو لا ترفد همو”

“والزيزون ما يفهمو غير أمو ” فالأم لها الحاسة السادسة ولها حاسة الأمومة للإستشعار وفك الشفرات

 

مبادرة المرأة وحق الاختيار

 

يقول المثل:

Advertisement
Ad Banner

“اخطب لبنتك لا تخطب لولدك”

فخطبة الأب لابنته أمر مستحب لتقوية الروابط الأسرية، بينما يجوز للمرأة شرعا عرض نفسها للزواج من صاحب دين وخلق، اقتداء بالسلف، مع ضرورة مراعاة الحياء والآداب، ويفضل أن يكون ذلك عبر وسيط من أفراد أسرتها ليكون أصون لها.

و السيرة النبوية الشريفة تقدم نموذجا راقيا حين تقدمت السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها لخطبة النبي ﷺ، في مبادرة تؤكد أن الأمر ليس عيبا ولا حراما.

 

المرأة… حكمة وتدبير

 

من أبلغ الأمثال:

“الرجل واد والمرأة صهريج”

الرجل قد يكون مندفعا، أما المرأة فهي التي تجمع وتحفظ وتدبر. تدخر “الدرهم الأبيض لليوم الأسود”، وتوازن بين الحاضر والمستقبل.

وكذلك يقال:

“الراجل عجاجة ولمرا دجاجة”

في إشارة إلى أن المرأة، رغم تعدد مسؤولياتها وتشعب مهامها، تبقى الحاضنة والمربية والمدبرة لشؤون الأسرة.

Advertisement
Ad Banner

وقد أقر الإسلام لها ذمة مالية مستقلة؛ فلها أن تملك وترث وتتصرف في مالها، ما جعلها شريكة حقيقية في البناء الاقتصادي للأسرة.

فهي “عمارة الدار” و “مولات الدار” و “فضل البيت” و “لمرا إيلا صبرات لدارها عمرات”

 

المسؤولية بدل تعليق الأخطاء

 

ومن الأمثال الدالة:

“تزوجها بالدين وقول زغبية”

أو “ديرها بيديك وقل لعروسة زغبية”

في إشارة إلى من يخطئ في اختياره ثم يعلق فشله على غيره. فالمثل يحمل الفرد مسؤولية قراراته، ولا يجعل المرأة شماعة للأخطاء.

إن استحضار هذه الأمثال في اليوم العالمي للمرأة يكشف أن الذاكرة الشعبية المغربية لم تكن في جوهرها ظالمة للمرأة، بل حملت تقديرا عميقا لدورها كأم، وزوجة، ومربية، ومدبرة، وشريكة في بناء المجتمع وصناعة الحياة.

صحيح أن بعض الأمثال كرست صورا نمطية سلبية، لكن في مقابلها رصيد غني من الحكم التي أنصفت المرأة وربطت صلاح المجتمع بصلاحها.

إن تكريم المرأة في الإسلام ليس خطابا مناسباتيا يستدعى في الأعياد، بل رؤية متكاملة تنطلق من الكرامة الإنسانية، وتترجم إلى حقوق عملية في الحياة والتعليم والمال والزواج والمعاملة…

Advertisement
Ad Banner

وفي يومها العالمي، ربما يكون أجمل احتفاء بها أن نعيد قراءة موروتنا الشعبي بعين فاحصة، لنستخرج منه ما يكرمها، ونصحح ما أساء إليها، حتى تظل الذاكرة الشعبية سندا لقيم الإنصاف لا أداة لإعادة إنتاج الظلم.

و لعل أصدق احتفاء بالمرأة ليس في الكلمات المنمقة، بل في إعادة بناء وعينا بها:

وعي يرى فيها أما تؤسس، وزوجة تساند، ومربية تنشئ، وعقلا يدبر، وشريكة في صناعة المستقبل.

يقول الله عز وجل:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

(سورة النحل: الآية 97)

Continue Reading
Advertisement Ad Banner
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *