أخبار
العنف ضد النساء تحت المجهر
الوطنية بريس/حميد بركي
العنف ضد النساء والفتيات يكشف عن هشاشة عميقة في البنية الأخلاقية للعالم المعاصر، فهو ليس مجرد سلسلة من الحوادث الفردية، ولا حالة اجتماعية عابرة، فهو مرآة تعكس طبيعة العلاقات البشرية حين تفقد اتزانها. وحين نتأمل هذا العنف بوصفه ظاهرة إنسانية، لا كإحصاء أو تقرير، ندرك أننا أمام معضلة فلسفية تتعلق بالسلطة والحرية والكرامة، وبالسؤال الأعمق: لماذا ينزع الإنسان، في لحظات معينة، إلى تحويل جسد الآخر وروحه إلى مجال للهيمنة؟
ينشأ العنف حين يضعف الوعي بالقيمة الإنسانية، وحين يتحول الآخر إلى موضوع قابل للسيطرة. ومن هنا يبدو العنف ضد المرأة تجليا صارخا لفشل الإنسان في الاعتراف بإنسانية من تعيش إلى جواره، وفشل المجتمع في حماية أضعف الأصوات وأشدها تعرضا للإسكات. ومن المؤلم أن يكون ثلث نساء العالم تقريبًا قد اختبرن هذا الجرح، ما يعني أن العنف لم يعد سلوكًا شاذًا، وإنما نمطًا يتكرر داخل الهياكل الاجتماعية والثقافية والنفسية.
ومع دخول العالم إلى العصر الرقمي، لم يتقلص هذا العنف، اتخذ أشكالا جديدة. الفضاء الافتراضي الذي كان من المفترض أن يمنح الجميع صوتًا صار ساحة جديدة للاعتداء، مساحة بلا حدود، تُمارس فيها الإساءة بطرق لا مرئية، وتُوجه فيها الكلمات كسلاح، ويصبح فيها التخفي أداة تسهّل القسوة وتضاعف أثرها. العنف الرقمي محاولة لإسكات المرأة، لتقويض حضورها الفكري والسياسي والإعلامي، ولإبعادها عن المجال العام الذي يمثل جوهر الذات الحرة.
المشكلة فلسفية مرتبطة بفهم الإنسان للتواصل وللحرية. حين يغيب الوعي الأخلاقي في الفضاءات الرقمية، تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة تكشف الجانب المظلم في دواخلنا. وحين يعجز القانون عن اللحاق بإيقاع العالم المتسارع، يصبح الظلم أكثر قدرة على الانتشار. وهكذا يتداخل ضعف البنى التشريعية، وغياب المساءلة، وسهولة التخفي، فيخلق ذلك كله دائرة جحيمية تزيد من هشاشة الضحايا، وتجعل الألم يمتد خارج الجسد ليطال الوجود نفسه.
وحين تنطلق حملة الأيام الستة عشر لإنهاء العنف ضد المرأة، لا تكون مجرد فعالية زمنية، محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي.
الدعوة هنا ليست إلى دعم قضايا النساء فحسب، وإنما إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالعدالة، وفي ما يعنيه أن نكون جزءًا من مجتمع يحترم الصوت الضعيف، ويمنع القوة من أن تتحول إلى اعتداء.
الحكومات مطالبة بإعادة النظر في التشريعات، والمنصات الرقمية مطالبة بتحمّل مسؤوليتها الأخلاقية، والمجتمع المدني مطالب بإعادة بناء مساحات آمنة للفكر والحضور الإنساني، والفرد مطالب بأن يكون شاهدًا رافضًا للصمت.
إن مواجهة العنف، سواء كان ماديًا أو رقميًا، ليست معركة خارجية فقط، فهي أيضا معركة داخل الذات الإنسانية. معركة ضد ميل الإنسان إلى الاستحواذ، وضد الخوف من حرية الآخر، وضد الرغبة المتجذرة في إسكات كل صوت يزعج النظام القائم. ومهما تعددت الحملات والمبادرات، يبقى التغيير الحقيقي مرهونًا بقدرتنا على إعادة تعريف إنسانيتنا، وعلى الاعتراف بأن حرية المرأة ليست امتيازًا تمنحه القوى الاجتماعية، وإنما حق أصيل يستمد وجوده من وجودها ذاتها.