الدكتور حسن الجامعي
الحمد لله الذي أعز أولياءه وخذل أعداءه، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم إلى يوم الدين.
وبعد، فبلد المغرب بلد الأحرار الأشاوس، تاريخهم تليد يضرب في عمق الزمن البعيد، أينعت دوحته الشريفة بوصول سليل النبوة السلطان مولاي إدريس الأكبر، الذي حط الرحال في هذا البلد الأمين، وهو يعي حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ((  لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق )). فقيمة المغرب التاريخية لا تخفى إلا عن جاهل أو حاقد، ولا يزال تاريخ المغرب هو النموذج المثالي، الذي عرف العديد من السلالات المتتالية: سلالة الأدارسة، وسلالة المرابطين، وسلالة الموحدين، وسلالة المرينيين، وسلالة السعديين، وسلالة العلويين، وبالتالي يعتبر المغرب دولة متعددة الثقافات معترف به دوليًا، مع أنواع متعددة من التراث المعترف به من قبل التراث العالمي لليونسكو. المغرب هو أحد الوجهات المفضلة للسياح الأجانب، لعشاق الاكتشاف، والأكثر اهتماما بالطبيعة والتاريخ وفن العيش والضيافة المغربية، والتجربة المعاشة خلال رحلاتهم في المغرب والتي تجعلهم يغادرونه وهم راضون عن إقامتهم به. المغرب هو صاحب المواقف الرجولية في نصرة القضايا الإنسانية والشعوب المقهورة كما حصل مع الدولة الجارة التي أقسمت ألا يغمض لها جفن حتى تسيء إلى من أحسن إليها، المغرب محجة دول العالم والقارات حيث كان الساسة يأخذون المشورة في قضاياهم السياسية والاقتصادية والدبلوماسية. المغرب مزيج من الثقافات والأعراق مد يده لكل لاجئ أو مضطهد كما حصل مع اليهود الذين شردوا بالأندلس ففروا من محاكم التفتيش والقهر الصليبي ليجدوا أرض المغرب بلد الأمان والكرم والاستقرار. وبالجملة فتاريخه لا يزايد عليه أو يسعى لتحريف حقائقه إلا السفلة من الخلق المشبعة قلوبهم بالحقد والحسد والضعف والعجز لمجاراة التطور الاقتصادي والتنمية المستدامة التي ظهرت آثارها على عهد جلالة الملك محمد السادس نصره الله.
وقد شكل القرن 19 منعطفا خطرا في تاريخ المغرب، حيث أصبح محط أطماع القوى الأوربية التي استغلت تفوقها العسكري والاقتصادي لممارسة ضغوطات ممنهجة على المغرب. ولمواجهة هذه التطورات المستجدة قامت السلطات المغربية بمحاولات إصلاحية إلا أن الاستعمار حد من فعاليتها وأدى إلى إفشالها. وكان الهدف من هذه الضغوطات إخضاع المغرب للهيمنة الاستعمارية التي كان هدفها الأساسي من هذه الحملة استغلال ثروات البلاد واستنزاف طاقاتها البشرية والمادية، ومسخ الهوية المغربية والإسلامية. ومن أهم القضايا التي أثيرت إبان هذه الحقبة تغيير معالم الأراضي الصحراوية المغربية التي تربطها بالمغرب أواصر تاريخية متجذرة في التاريخ، وأواصر البيعة الشرعية للسلاطين المغاربة الذين تعاقبوا على حكم المغرب. فروابط البيعة التاريخية والقوية التي تجمع القبائل الصحراوية وملوك المغرب، حقيقة تاريخية أساسية وثابتة تجمع بين الملكية والقبائل الصحراوية قبل الاستعمار الإسباني بأمد بعيد. فلا يمكن اختزالها في هوية واحدة ومن ثم بهذا المعيار العقلي والقانوني والتاريخي والشرعي يستحيل خلق دويلة صحراوية. وأما النزاعات الترابية المختلقة والمرتبطة بقضية الصحراء المغربية فقد كانت نتيجة التقسيم الجائر الذي أحدثه الاستعمار الأوربي الذي تقوم أطروحته الاستعمارية على مبدأ فرق تسود، ولهذا فالحركة الانفصالية و جماعة المرتزقة كراكيز الدولة الجارة التي ما فتئت منذ عقود طويلة تحيك المؤامرات ضد الوحدة الترابية، فهؤلاء ومن يساندهم ليست لهم خلفية تاريخية ولا شرعية ولا جيوسياسية.
ففي 16 أكتوبر 1975، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري حول الصحراء، معتبرة بأن الصحراء المغربية كان لها مالك قبل استعمارها من قبل اسبانيا، وأن هناك وجود روابط قانونية وولاء وبيعة، بين سلاطين المغرب والقبائل التي تقيم فيها. ولم يتوقف التحرك المغربي عند هذا الحد، بل شمل الجانب العربي والإفريقي، فكان من نتائجه، الطلب الذي وجهته المملكة السعودية إلى إسبانيا بتاريخ 1 أكتوبر1974 باسم كافة الدول العربية على التعجيل بحل قضية الصحراء المغربية، وكذا تصريح السكرتير العام لمنظمة الوحدة الإفريقية بتاريخ 14 مارس 1975، أكد على مساندة المنظمة للمغرب بجميع الوسائل من أجل تحرير أراضيه المغتصبة، وكذا الإجراء الذي أقدمت عليه حكومة ساحل العاج بتاريخ 25 مارس 1975 عندما وضعت السيد “ألفونسو بونسي” ليمثل المغرب في محكمة العدل الدولية.
وبعد اعتراف محكمة العدل بالحقوق التاريخية للمغرب في صحرائه، أعلن الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه بتاريخ  6 نوفمبر 1975، تنظيم مسيرة سلمية خضراء نحو الصحراء بمشاركة  350 ألف مواطن، وهو حدث فرض على الحكومة الاسبانية، التي واجهت مطالب المغرب بالرفض، مواجهة وضع جديد لم تكن تتوقعه، مما دفعها إلى إعادة ترتيب أوراقها، والقبول بالتفاوض مع المغرب في قضية صحرائه، في قمة ثلاثية بمدريد جمعت المغرب واسبانيا وموريتانيا، توجت بالتوقيع على اتفاقية مدريد بتاريخ 14 نوفمبر 1975، يتم بموجبها إدارة ثلاثية للصحراء لفترة انتقالية لمدة ثلاثة أشهر، يليها انسحاب إسبانيا. وفي الوقت الذي كان الملك الحسن الثاني يستعد لإطلاق المسيرة الخضراء، وبشكل مواز لهذا الحدث الكبير، أعلنت الجزائر بتاريخ 21 أكتوبر 1975، عن موقف معارض لقرار المغرب بتنظيم المسيرة الخضراء، واستنفرت دبلوماسيتها لدى العواصم الكبرى الغربية من أجل وقف المسيرة والاعتراض على المغرب في صحرائه. وأمام هذا الموقف الغريب من الجزائر، وللرفع من الاكراهات والضغوطات على المغرب، قام النظام الجزائري بطرد 350 ألف مغربي، فيما أسماه الرئيس الجزائري الراحل الهواري بومديين ب ” المسيرة السوداء “.
وبعد حصول المغرب على استقلاله من فرنسا، ظلت القوات الاسبانية مستقرة في الصحراء لسنوات، وهو ما جعل المغرب يعمل جاهدا من أجل استكمال استقلاله. هكذا خلصت المفاوضات بين المغرب واسبانيا إلى إجلاء القوات الاسبانية من الصحراء المغربية في فبراير من سنة 1976.وفي هذا الوقت أفضت أطماع الجارة الشرقية في التوسع على حساب الصحراء المغربية والتفكير في احتلال مناطق من الصحراء، بمجرد خروج القوات الاسبانية منها.
وما إن اقترب موعد جلاء القوات الاسبانية من الصحراء المغربية حتى قامت مجموعة من ضباط وجنود الجيش الجزائري، يوم 27 يناير1976 بالتسلل إلى قرية أمغالة الواقعة بالقرب من مدينة السمارة، والحدود مع موريطانيا، واصطدمت المجموعة الجزائرية بكتيبة من القوات الملكية المسلحة التي كانت قد التحقت بهذا المركز مباشرة بعد جلاء قوات الاحتلال الاسبانية عنه. وكان النظام الجزائري يرمي إلى احتلال المنطقة قبل وصول الجنود المغاربة. وجرت معركة بين القوتين سرعان ما حسمت لصالح المغرب، قتل فيها وأسر العديد من الجنود الجزائريين. وفي محاولة يائسة منها لتبرير وجود عناصر من جيشها على أراض مغربية، روجت الجزائر عن طريق إعلامها، أن المجموعة لم تكن إلا قافلة من الشاحنات تحمل المؤن والمواد الغذائية والأدوية، رغم أن الواقع يكذب ذلك. وقد أورد الكاتب والمؤرخ عبد الكريم غلاب في الجزء الثاني من كتابه ” تاريخ الحركة الوطنية “: ( إن الانتصار في أمغالة شكل نهاية حرب الصحراء، إذ المعارك التي كانت بعدها لم تكن سوى حرب عصابات. ولو انتصرت الجزائر في معركة أمغالة لكانت المنطقة رأس جسر لمحاولة السيطرة على الصحراء ).
وبعد الهجوم على أمغالة بنحو أسبوعين بعث الحسن الثاني رحمه الله تعالى رسالة إلى الرئيس الجزائري العقيد هواري بومدين قال فيها: ( إنه حدث يدعو إلى الدهشة والاستغراب، ذلك يا سيادة الرئيس أن القوات الملكية المسلحة وجدت نفسها يوم 27 يناير 1976 في مواجهة الجيش الوطني الشعبي في أمغالة التي هي جزء لا يتجزأ من الصحراء ). وتابعت رسالة الملك: ( سال الدم بين شعبينا لأنكم لو توفوا بوعدكم. وها أنتم ترون أيضا بالأمس القريب أن الحامية المغربية التي بقيت في عين المكان بأمغالة أخذت غدرا من لدن وحدات الجيش الوطني الشعبي الجزائري، متوفرة على أسلحة ثقيلة ومعدات يكشف نوعها ومستواها عن النية المبيتة للقيام بعملية تدمير تسببت في عشرات الضحايا بين أبنائي والمكافحين من أجل بلدي ). ولما باءت محاولة احتلال أمغالة، لم تيأس الجارة الشرقية من محاولة بسط يدها على الصحراء المغربية، بل إنها حاولت أن تسبق الأحداث مرة أخرى.
لقد خرجت قوات الاحتلال الاسباني من الصحراء في الثامن والعشرين من فبراير 1976، وقبل ذلك بيوم واحد أعلنت الجزائر في 27 فبراير عن قيام ” الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية “. وكان الرد الرسمي للمغرب، ما ورد على لسان الملك الراحل الحسن الثاني في رسالة وجهها إلى القوات الملكية المسلحة: ( ومن دون أن نخفي عنكم خطورة الوضع، ومن دون أن نتجاوز الحدود في تهويل الأمر أمامكم بخصوص تطور الوضع، فقد عزمنا العقد على الدفاع بكل وسيلة ممكنة عن وحدة المملكة وضمان الأمن والهناء لشعبنا ). مما يعني أن الجزائر عقدت العزم على محاربة المغرب. ورغم أنها تمتد على مساحة شاسعة إلا أن قادتها حاولوا جاهدين كبت مستقبل الدول المجاورة وتحجيمها، وبما أن المغرب هو الدولة التي يرشحها موقعها على الساحل الأطلسي واقتصادها وعدد سكانها وسعة أرضها ورصيدها التاريخي لتكوين اتحاد بين دول شمال إفريقيا وقيادته، كما يرشحها لتكون دولة قوية أخرى في المنطقة من شأنها أن تنافس الجزائر اقتصاديا وسياسيا، فقد اتجهت نية النظام الجزائري إلى معاكسة المغرب. حينما واتته الفرصة لاسترجاع أقاليمه الصحراوية، فسعى هذا النظام الدكتاتوري المستبد إلى إجهاض الوحدة الترابية المغربية، وحينما عجز عن ذلك صنع كيانا وهميا مزيجا من المرتزقة وأطلقوا عليه اسم ” البوليساريو ” وحاولت استنزاف الجار الغربي بحرب العصابات. فالمغرب في حجمه الطبيعي وقوته وامتداده على صحرائه يعني شيئا واحدا بمنطق العقد النفسية بالنسبة للجزائر، وهو أن المغرب سيكون أقوى من الجزائر وهذا ما كان تخشاه الطغمة العسكرية التي تهيمن على الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للجزائر، وخاصة بعد وضوح الرؤيا والغاية من المناوءات الفاشلة وهي  الطمع أن يكون لها ميناء على المحيط الأطلسي يمكنها من تسويق حديد غارة جبيلات. ولن يتأتى لها ذلك إلا إذا كانت منطقة الصحراء تحت نفوذ دولة تصنعها بنفسها. لقد انكشفت نية النظام الجزائري منذ الهجوم الأول على المغرب في حاسي بيضاء وحاسي تنجوب سنة 1963 ، ولم يمر آنذاك على استقلال الجزائر غير سنة واحدة. واستمرت الحرب الجزائرية على المغرب على امتداد سنوات، إلى حين إطلاق الجزائر لجبهة البوليساريو، واحتضانها بمنطقة تيندوف، وكذا بذل الجهود من أجل كسبها اعتراف دولي، وإيجاد موضع لملف مشكل الصحراء في المنظومة الدولية، وقد استعملت من أجل ذلك معظم الآليات و التدابير اللازمة، كما يذكر أستاذ العلاقات الدولية الدكتور عبد الواحد الناصر: ( فقد عمدت الجزائر إلى تقديم المكافآت المالية إلى بعض الدول الفقيرة مقابل اعترافها، أو إنشاء محطات إذاعية تعبر عن لسان حال الجبهة … ). وهذا يؤكد بالملموس أن النجاحات الدبلوماسية التي حققتها الجبهة من اعتراف بعض الدول، وكسب تعاطف دول أخرى، مكنها من مكاسب  فاقت المكاسب التي حققتها بعض الحركات التحررية المشروعة، نظرا لعدم وجود دولة كالجزائر تقف بجميع إمكانياتها و آلياتها، كما يضيف الأستاذ عبد الواحد الناصر. وتجدر الإشارة إلى أن الأكذوبة التي تروجها الجزائر حول دعم الشعوب المضطهدة والحركات السياسية التي تسعى إلى التحرر من هيمنة الدول المستعمرة – وهذا منصوص عليه في دستورهم كما صرح بذلك مسئول جزائري – فهذه الشماعة التي يعلقون عليها نفاقهم يدعونا إلى طرح سؤال في هذا المضمار وهو: إن كانت نيتكم كما تدعون دعم الشعوب في الأرض كلها فلم لم تدعموا الأقليات الصينية في بورما التي تطالب بتقرير المصير، أو حركة بفاريا الألمانية، أو سيبيريا الروسية، أو كاباندا الأنغولية، أو التي تتواجد بجنوب إفريقيا ؟ بل لماذا لا تسعون إلى تحقيق العدالة الاجتماعية كما تزعمون مع منطقة القبائل المتواجدة على التراب الجزائري ؟ فهذه مجرد ترهات وخدع لا أخلاقية تتذرعون بها لأغراض جيوسياسية واقتصادية يؤجج نارها الحسد والحقد الدفين الذي تكنونه للشعب المغربي الأصيل الذي طالما نصر القضية الوطنية الجزائرية وضحى بشهداء من أجل استقلال الجزائر.
وخلاصة القول الحل السياسي المتزن والعادل الذي تقدم به المغرب والمتمثل في الحكم الذاتي اعتبر ثمرة مسلسل تشاوري موسع على المستوى الوطني والمحلي شاركت فيه القوى السياسية المغربية والمنتخبين والمواطنين بالأقاليم الصحراوية المغربية، من خلال المجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية، بهدف الوقوف على مختلف وجهات النظر المتعلقة بصياغة مشروع للحكم الذاتي في الصحراء. و استكمل هذا المسلسل بإجراء مشاورات على المستويين الإقليمي والدولي حول المبادرة المغربية من أجل الإطلاع على وجهات نظر البلدان المعنية والمهتمة بالنزاع في الصحراء المغربية، والتي لاقت قبولا واستحسانا من قِبل العديد من الدول الكبرى التي كانت بالأمس تعترف بالكيان الوهمي المسمى ” البوليساريو ” باعتبارها الحل الأمثل والواقعي لقضية الصحراء المغربية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *