أخبار
صناعة الضحالة.. حين تتراجع القيم وتتصدر التفاهة
الوطنية بريس/مصطفى بوكديرة
في رحلة متخيّلة عبر الزمن، تبدو المقارنة موجعة بين حاضر مرتبك وماض كانت فيه الأمة تصنع المجد بالعلم والفكر والأخلاق. هناك، في صفحات التاريخ وكتب الفلسفة والرياضيات والطب، كانت الحضارة تبنى على المعرفة العميقة والوعي الإنساني الرفيع. أما اليوم، فقد أصبح المشهد مختلفا إلى حد يبعث على القلق؛ إذ تتآكل القيم، وتتراجع الأخلاق، وتفسح الساحة لثقافة التفاهة والسطحية.
لقد تخلى المجتمع تدريجيا عن كثير من المبادئ التي كانت تحفظ توازنه وتمنحه هويته. تخلّى عن الأخلاق الكريمة، وعن النوايا الصادقة، وعن منظومة القيم التي كانت تُشكّل حصنه المعنوي.
وتحت شعار “مواكبة العصر” حدث التحوّل، لكنه لم يكن دائما تطورًا بقدر ما كان انسلاخا عن الجذور، حتى بات الرديء يحظى بالاهتمام، وأصبحت التفاهة مادة يومية تتصدّر المشهد الإعلامي والثقافي.
ومع هذا التحول، برز فقرٌ معرفي ولغوي وأخلاقي واضح، انعكس على مختلف الخطابات السائدة؛ من الديني والسياسي إلى الإعلامي والتعليمي. لم تعد اللغة تحمل رصانتها، بل غلب عليها الانفعال والصراخ والابتذال، وتراجع احترام الذوق العام لصالح الإثارة والضجيج. أما الحقيقة، فلم تعد قيمة ثابتة، بل مادة قابلة للتزييف وإعادة الصياغة وفق المصالح والأهواء.
إن أخطر ما في الأمر أن الضحالة لم تعد سلوكا فرديا معزولًا، بل تحوّلت إلى ظاهرة جماعية تُغذّيها منصات التواصل الحديثة، حيث أصبح بإمكان أي شخص أن يتحدث في كل شيء دون علم أو مسؤولية. ومع ضعف الإقبال على القراءة الجادة والمعرفة العميقة، باتت الثقافة السطحية هي الأسرع انتشارا والأكثر تأثيرا، خصوصًا في ظل اعتماد شريحة واسعة من الناس على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للمعلومة، رغم ما تحمله من خلط بين الحقيقة والزيف.
كما أن تراجع الوعي الأخلاقي لم ينعكس فقط على السلوك الفردي، بل امتد أثره إلى مؤسسات المجتمع والدولة. فالفساد، والتطرف، والانحدار الثقافي، لم تكن لتتفاقم لولا غياب مشروع أخلاقي حقيقي يعيد الاعتبار للقيم ويربط الحرية بالمسؤولية. فحين تغيب الأخلاق، تضعف القدرة على ضبط بقية المجالات، ويتحول الانفلات إلى واقع يومي تعيشه المجتمعات.
وفي النهاية، لا يمكن لمجتمعٍ يزرع التفاهة أن ينتظر حصادًا من الوعي والرقي. فالأمم التي تفقد بوصلتها الأخلاقية والمعرفية، تجد نفسها عاجلا أو آجلا أمام أزمة هوية ووعي. وما نعيشه اليوم ليس إلا نتيجة طبيعية لما زرعناه لسنوات من تهميش للفكر، وتلميع للسطحية، وتقديم الرداءة على حساب القيمة الحقيقية للإنسان والمعرفة.